مقالات

حقوق الجار على جاره من أعظم الحقوق وأذيته من عظائم الذنوب وكبائرها.. بقلم: د. علي عصام

إن الإسلام قرن الوصية بالجار بأعظم المأمورات وهو التوحيد ونبذ الشرك, وفي هذا أكبرُ دليلٍ على عظيمِ منزلةِ الجار وكبير حقِّه.  قال تعالي ﴿ وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ )النساء: 36) وقد عظّمت الوصية بالجار حتى قال النبيُّ فيما صح عن بن عمر رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله – صل الله عليه وسلم : ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه (البخاري6015- ومسلم 2625 ) فكف الأذى عن الجيران، خير من كثرة العمل الصالح مع أذى الجيران؛لما روى أَبَو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلى الله عَلَيهِ وسَلم: ” يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلاَنَةً تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ، وَتَفْعَلُ، وَتَصَّدَّقُ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَافَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وسَلم: لاَ خَيْرَ فِيهَا، هِيَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَالُوا: وَفُلاَنَةٌ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، وَتَصَّدَّقُ بِأَثْوَارٍ، وَلاَ تُؤْذِي أَحَدًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وسَلم: هِيَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. (رواه البخاري في الأدب المفرد) وكما أنه نهى عن أذية الجار فكذلك يُرغب في الصبر على أذاه، وتحمل ما يصدر منه من قول أو فعل فيه أذى، ولا يقابل أذية جاره له بالمثل، فمن فعل ذلك نال محبة الله تعالى؛ كما جاء في حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:  ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللهُ…. وذكر منهم: وَرَجُلٌ لَهُ جَارٌ يُؤْذِيهِ، فَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُ وَيَحْتَسِبُهُ حَتَّى يَكْفِيَهُ اللهُ إِيَّاهُ بِمَوْتٍ أَوْ حَيَاةٍ ( رواه أحمد بإسناد على شرط مسلم) وجاء الخبر بلعن من يؤذي جاره، ففي حديث أبي جُحيفة رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يشكو جاره فقال له: اطرح متاعك في الطريق ، قال: فجعل الناس يمرون به فيلعنونه، فجاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، ما لقيتُ من الناس؟ قال: وما لقيتَ منهم؟ قال: يلعنوني، قال: قد لعنك الله قبل الناس قال: يا رسول الله فإني لا أعود ومن ضروب الإحسان إلى الجار تعزيته عند المصيبة، وتهنئته عند الفرح، وعيادته عند المرض، وبداءته بالسلام، وطلاقة الوجه عند لقائه، وإرشاده إلى ما ينفعه في دينه ودنياه، ومواصلته بالمستطاع من ضروب الإحسان. ومما يرقق القلوب وينشرُ السعادة بين الجيران, ويفتحُ لهم أبوابَ الإحسان حتى يكونوا كالأُسْرةِ في البيت الواحد, ومن ذلك قول النبي لأبي ذر: “إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك )مسلم2625( إن أذى الجار لجاره فيه وعيد شديد. وتحقيق كمال الإيمان لا يكون إلا بتجنب أذية الجار؛ لقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ)  رواه البخاري ( وينال مؤذي جاره سبَّ الناس وملامتهم، وكم من شخص شكا للناس أذى جاره فمقتوه ولهجوا بالدعاء عليه؛ لأن الجار ملازم للدار، وأكثر الناس لا يقدر على تغيير داره، فيبقى الأذى عليه ما بقي جاره المؤذي، وقد جاء في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْكُو جَارَهُ، فَقَالَ: “اذْهَبْ فَاصْبِرْ” فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: “اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ” فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ، وَفَعَلَ، وَفَعَلَ، فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ، لَا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ”( رواه أبو داود)

 

 نسأل الله أن يهدي قلوبنا للحق، وأن يجعلنا ممن يقومون بحقوق جيرانهم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى