التصوف والموالد: جدل الجذور الدينية ومظاهر الاحتفال بين الأنصار والمنتقدين.. بقلم: صلاح زكي

يشهد الواقع الديني في الكثير من البلدان الإسلامية مظاهر واحتفالات واسعة تُعرف بـ«الموالد» و«الحضرات» المرتبطة بالطرق الصوفية، وهي مواسم تحظى باهتمام جماهيري وتثير في الوقت ذاته جدلاً فكرياً وعقديّاً محتدماً. فبينما يرى المنهج السلفي الأثري في هذه الاحتفالات انحرافاً عقديّاً وبدعاً محدثة تخالف أصول الشريعة، يعتبرها أبناء الطرق الصوفية مظهراً صادقاً من مظاهر المحبة والتقرب ومجالس الذكر والتبرك بالصالحين. ويُرجع المحققون جذور التصوف إلى القرون الهجرية المتأخرة نتيجة عوامل الزهد والتأثر بالفلسفات الوافدة، بينما ترجع نشأة الاحتفالات بالمواليد إلى العصر الفاطمي قبل أن تنتشر لاحقا لأسباب اجتماعية وسياسية.
وتتضمن هذه الاحتفالات والحضرات -بنظر علماء السنة- حزمة من المخالفات الشرعية والبدع الممارسة، يأتي في مقدمتها الابتداع في الدين باتخاذ أيام محددة أعياداً تقرباً لله بما لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم. كما تبرز خطورة الشركيات والاستغاثات غير المشروعة نتيجة الغلو في الأولياء، كدعاء الأموات وطلب قضاء الحوائج منهم مثل قول “المدد يا رسول الله” أو “يا بدوي”، فضلاً عن تقديم النذور والذبائح لغير الله عند الأضرحة، والتمسح بالمقامات وتقبيل الأستار، وهي ممارسات تناقض إفراد الخالق بالعبادة وتفضي إلى تعظيم غير الله.
ولا تقتصر المخالفات على الاعتقاد فحسب، بل تمتد لتشمل البدع الهيئية في الذكر والحضرات التي تتخذ أشكالاً كالرقص والترنح والضرب بالدفوف والطبول داخل المساجد، واختيار أساليب ذكر لا تحقق المعنى الشرعي القائم على الخشوع والتدبر، يضاف إلى ذلك ما يحدث أحياناً من اختلاط مذموم بين الرجال والنساء في الاحتفالات الكبرى. هذه الممارسات أثارت انتقادات حادة، حيث يعتبرها المعارضون خروجاً صريحاً عن الهدي النبوي المستقيم، بينما يتمسك المريدون بهذه المجالس باعتبارها مساحات روحية لنشر المحبة وتذكر سير الصالحين وآل البيت.
وفي هذا السياق، يؤكد علماء الشريعة أن المحبة الحقيقية للنبي صلى الله عليه وسلم والأولياء الصالحين لا تتحقق بإحداث البدع والوقوع في الشركيات، بل باتباع السنة وإخلاص العبادة لله وحده. ومن هنا، يبرز الواجب الشرعي في الدعوة إلى النصح بالحكمة والموعظة الحسنة، ونشر العلم الصحيح القائم على الكتاب والسنة، مع التحذير من مظاهر الغلو والإطراء التزاما بالنهج النبوي القاضي بحفظ توحيد الله وإفراده بالتعظيم والتقديس.



