مقالات

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ؟.. قراءة سياسية في تراجع النفوذ الأمريكي وبداية النهاية.. بقلم: د. سمير بكير

قال الله تعالى في سورة الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۝ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ۝ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، لتشكل هذه الآيات الكريمة عبرة خالدة حول مصير الجبروت والقوة المادية التي لا تمنح أصحابها ضمانًا أبديًا للبقاء، وهو ما يمكن إسقاطه على التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي اليوم، وما تواجهه الولايات المتحدة الأمريكية من تحديات متزايدة للحفاظ على نفوذها وهيمنتها العالمية، لاسيما في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني من صراعات معقدة ومتشابكة.

لقد استندت واشنطن لعقود طويلة إلى تفوقها العسكري والاقتصادي والتكنولوجي وشبكة تحالفاتها الواسعة، إلا أن التدخلات الميدانية والحروب التي خاضتها تحت شعارات مكافحة الإرهاب وبناء الاستقرار تحولت إلى أزمات مكلفة أخفقت في تحقيق الأهداف السياسية بعيدة المدى، وتجلى ذلك بوضوح في الانسحاب من أفغانستان عام 2021 وما تبعه من عودة حركة طالبان للسلطة وسط إخفاقات مؤسسية واضحة، وكذلك في العراق بعد غزو عام 2003 الذي أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة وفتح المجال أمام توسع النفوذ الإقليمي الإيراني بدلاً من قيام نظام تديره واشنطن منفردة.

تتواصل هذه الاختبارات القاسية في المشهد الإقليمي والدولي الحالي، وتحديداً في المواجهات المتعاقبة مع إيران وأزمات الملاحة في مضيق هرمز الذي يمثل الشريان الحيوي للطاقة والتجارة العالمية، حيث أثبتت المعطيات أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لإنهاء الحروب بالشروط الأمريكية، في ظل امتلاك الخصم لأوراق ضغط استراتيجية وجغرافية قادرة على إحداث هزات واسعة في الأسواق الدولية، وتأكيد حقيقة أن تأمين الممرات البحرية والوصول إلى الاستقرار يتطلب تفاهمات سياسية وأمنية شاملة تتجاوز منطق القوة البحتة.

من رحم هذه المعطيات، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كانت هذه الإخفاقات تمثل بداية تراجع حقيقي للإمبراطورية الأمريكية أم مرحلة لإعادة تشكيل النفوذ العالمي في ظل صعود قوى كبرى منافسة مثل الصين وروسيا ودفع الحلفاء لتنويع شراكاتهم؛ ليؤكد التاريخ أن انهيار الدول لا يحدث دفعة واحدة بل يتبع سنناً تدريجية تحتم على القوى الكبرى إدراك أن النجاح الحقيقي لا يقاس بحجم الترسانات بل بالقدرة على تجنب النزاعات وبناء علاقات متوازنة، استحضاراً لمعاني الآيات القرآنية الكريمة في الاعتبار بسنن الأمم السابقة حفظ الله مصر قيادة وشعبا من كل مكروه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى