مقالات

بين ملايين «تيك توك» وسنوات الانتظار.. هل أصبحت الدنيا مقلوبة؟.. بقلم: الشيماء توفيق

تخيل أن تقضي زهرة شبابك بين المراجع والأبحاث، متحملاً تكاليف الماجستير والدكتوراه والضغط النفسي والمادي على أمل أن يُفتح لك باب عمل يليق بمجهودك، ثم تفتح هاتفك لتجد بثًا مباشرًا على منصة «تيك توك» يتحول فيه التفاعل الإفتراضي إلى ملايين الدولارات؛ القضية هنا ليست هجومًا على أحد، فكل شخص حر في مجاله طالما يلتزم بالقانون، ولكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه: كيف وصلنا إلى زمن نتحدث فيه عن أرقام فلكية لـ«اقتصاد المشاهدات»، بينما ما زال ملف حملة الماجستير والدكتوراه وأوائل الخريجين يبحث عن إجابة واضحة وفرصة حقيقية في سوق العمل؟

بالأرقام، تشير التقارير الصحفية المنشورة عن فحص حساب صانع المحتوى «شاكر» إلى حصوله على أكثر من 3 ملايين دولار خلال الفترة من يناير 2023 وحتى يوليو 2025، بجانب تقديرات متداولة بملايين الجنيهات عن البث المباشر الأخير؛ ورغم أن هذه الأرقام تخضع لعمولات ونظم التحويل الخاصة بالمنصة وتختلف تقديراتها، إلا أنها تعكس واقع سوق رقمي قائم على جذب الجمهور والتفاعل. وفي المقابل، نجد شبانًا وباحثين أنفقوا سنوات عمرهم وأموالهم الخاصة في دراسة الاقتصاد والطب والهندسة والقانون، يصطدمون بواقع صعب، فبالرغم من القرارات الرسمية بزيادة الحد الأدنى للأجور بالقطاعين الخاص والعام، إلا أن الأزمة الحقيقية ليست في أرقام الأجور بل في غياب مسار واضح للاستفادة من هذه الكفاءات العلمية.

إن التعامل مع التعليم والبحث العلمي باعتباره مجرد شهادات تُعلق على الجدران بدلاً من كونه استثمارًا في رأس المال البشري يُعد خطأً اقتصاديًا واجتماعيًا جسيمًا؛ فالأمر لا يتعلق بطلب التعيين الحكومي لمجرد الحصول على المؤهل، إذ إن التعيين يخضع للكفاءة والاحتياج الفعلي وتكافؤ الفرص، بل يتعلق بضرورة وجود رؤية شمولية. وهو ما تجسد مؤخرًا في طلب الإحاطة الذي تقدم به النائب ياسر الهضيبي في أكتوبر 2026 لمجلس النواب، يتساءل فيه عن الموقف التنفيذي لقرارات رئيس الوزراء ومصير اللجان الوزارية المعنية بحصر واستغلال خبرات حملة الماجستير والدكتوراه، مؤكدًا أن مجرد جمع البيانات دون خطة عمل ليس حلًا.

في النهاية، نحن لسنا ضد نجاح أحد أو كسب المال من صناعة المحتوى، فالعالم الرقمي له قواعده واقتصاده، لكن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تفرض على المجتمع والدولة خلق بيئة تقدر العلم وتصنع «اقتصاد المعرفة» جنبًا إلى جنب مع اقتصاد المشاهدات. المشكلة الحقيقية ليست في أن شخصًا كسب الملايين من «تيك توك»، بل في أننا نفتح أبوابًا واسعة لعدد «التكبيسات» والهدايا لحظة بلحظة، بينما نعجز عن تقديم إجابة لشاب ألمعي قَضى سنوات في البحث والدراسة ليجد نفسه في طابور انتظار طويل.. وساعتها فقط ندرك أن الدنيا أصبحت مقلوبة بالفعل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى