التقشف الرشيد.. حلول عملية لترشيد الإنفاق وتوفير مليارات الجنيهات في ميزانية الدولة.. بقلم: د. سمير بكير

تأتي أهمية التقشف الرشيد في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة كضرورة حتمية لإدارة الموارد العامة بكفاءة، دون الإخلال بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين؛ إذ إن المال العام أمانة تستوجب التوازن بين حماية البنية التحتية والاستثمار في المستقبل، انطلاقاً من المبدأ القرآني الشريف: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾. إن الحفاظ على مقدرات الدولة لا يعني الحرمان أو التراجع عن أعمال التطوير، بل يرتكز على اعتماد الصيانة الوقائية والحلول المستدامة التي تجنب الموازنة نفقات طائلة وتضمن استمرارية كفاءة المرافق.
وتتجلى أولى خطوات التوفير العملي في القطاعات الحيوية كالإصلاح الموضعي للطرق والمرافق بدلاً من إحلالها بالكامل، إلى جانب ترشيد استهلاك الكهرباء في المؤسسات ودور العبادة وقاعات المناسبات باستخدام الإضاءة الموفرة وأنظمة الاستشعار الذكية. يضاف إلى ذلك معالجة مشكلات تجمعات مياه الأمطار عبر شبكات صرف هندسية تمنع تآكل الأسفلت، والاعتماد على التشجير المدروس لحماية التربة والمظهر العام دون التسبب في أضرار إنشائية، مما يحمي البنية التحتية ويقلل نفقات الصيانة المتكررة.
وفي قطاع التعليم والخدمات الحكومية، يبرز التدوير المنظم للموارد كأحد أهم محاور الحد من الهدر؛ حيث تسهم آلية جمع الكتب المدرسية الصالحة للاستخدام وإعادة توزيعها في تقليل تكاليف الطباعة الباهظة وغرس ثقافة الاحترام للمال العام لدى الطلاب. بالتوازي مع ذلك، تؤدي التحولات الرقمية في المؤسسات — كالحد من استهلاك الورق وتقليل المعاملات اليدوية وضبط استهلاك الوقود — إلى حوكمة المشتريات وتوفير مبالغ مالية ضخمة يمكن توجيهها لدعم القطاعات الأكثر احتياجاً كالصحة والتعليم.
وتعتمد الاستمرارية في تحقيق الوفورات المالية على التوسع في تطبيق مفهوم الصيانة الوقائية المنتظمة قبل حدوث الأعطال؛ فالتصدي للمشكلات في بدايتها أقل تكلفة بكثير من التدخلات العاجلة بعد التلف الكامل للمباني والمعدات. ويتطلب ذلك إنشاء قواعد بيانات رقمية لمتابعة حالة المنشآت والمرافق العامة، وقياس تكاليف التشغيل دورياً، لضمان أعلى مستويات الجودة بأقل التكاليف الممكنة وتجنب الخسائر التراكمية.
إن نجاح سياسات التقشف الرشيد يرتبط بتحويل هذه الممارسات إلى خطة وطنية شاملة تعتمد على التقييم المتدرج والرقابة الشفافة، لتقاس النتائج بحجم الأموال الموفرة فعلياً لا بالقرارات النظرية. وتكتمل هذه الرؤية بنشر ثقافة الترشيد كوعي مجتمعي وسلوك يومي يبدأ من الفرد والمؤسسة، لتظل إدارة المال العام عملية مستمرة تهدف إلى حماية مقدرات الوطن وبناء اقتصاد كفء وقادر على مواجهة مختلف التحديات.



