الشمرشجية .. بقلم: د. أيمن عبدالغني المصري
في كلِّ زمانٍ ومكانٍ يظهر أناسٌ يتقنون فنَّ التلوّن أكثر مما يتقنون أيَّ عملٍ آخر، يبدّلون مواقفهم كما يبدّلون ثيابهم، ويقيسون مبادئهم بمقدار ما يحقّقونه من منفعةٍ شخصية. هؤلاء هم “الشمرشجية”، الذين لا وطن لهم إلا حيث تكون المصلحة، ولا قضية لهم إلا حيث يكون المكسب.
فالشمرشجي يصفّق للحاكم إذا كان قويًّا، ثم ينقلب عليه إذا تبدّلت الظروف. يمدح المسؤول صباحًا ويهاجمه مساءً إذا شعر أن الرياح تسير في اتجاهٍ آخر. وهو لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الموقع الذي يضمن له الظهور والنفوذ والمال.
وقد عرف الوطن العربي نماذج كثيرة من هذه الفئة؛ فمنهم من تنقّل بين الأحزاب والتيارات السياسية المتناقضة دون أن يرفّ له جفن، ومنهم من غيّر خطاباته ومواقفه بحسب الجهة التي تدفع أو تدعم. تراهم اليوم في هذا المعسكر، وغدًا في المعسكر المقابل، وكأن الماضي لم يكن موجودًا أصلًا.
ويعيش الشمرشجي عادةً على هامش إنجازات الآخرين؛ فهو نادرًا ما يبني مشروعًا أو يقدّم فكرةً أو يصنع نجاحًا حقيقيًا. كل ما يفعله هو القفز إلى العربة الرابحة بعد انطلاقها، ثم الادعاء بأنه كان صاحب الفضل في وصولها إلى وجهتها. ولذلك يكثر ضجيجه الإعلامي ويقلّ أثره الواقعي.
لكن التاريخ لا يرحم هذه النماذج. فالشعوب قد تنخدع لفترة، لكنها مع الوقت تكتشف من كان صادقًا ومن كان متلوّنًا. وعندما تتبدّل المصالح من جديد، يجد الشمرشجي نفسه وحيدًا؛ فلا المبدأ يحميه، ولا الناس تثق به، ولا التاريخ يذكره إلا بوصفه مثالًا على الانتهازية وتقلب المواقف.
إن المجتمعات التي تريد التقدم تحتاج إلى أصحاب الرأي الصادق، حتى لو اختلف الناس معهم، لأن الاختلاف في الرأي يبقى أكثر شرفًا من التلوّن في المواقف. فالأوطان تُبنى بالمخلصين وأصحاب المبادئ، لا بالشمرشجية الذين يبيعون مواقفهم في كل سوق، ثم يكتشفون في النهاية أن من اعتاد بيع المبدأ لا يجد من يشتريه عندما يحتاج إلى الاحترام.



