الكرة اليوممقالات

(كأس العالم في ملعب السياسة) .. بقلم د:أيمن عبدالغني المصري

عندما تنطلق صافرة بداية مباراة في كأس العالم، يظن كثيرون أن ما سيجري خلال التسعين دقيقة المقبلة مجرد منافسة رياضية بين فريقين يسعيان إلى الفوز. لكن الحقيقة أن المستطيل الأخضر كثيراً ما كان مرآة للعالم بكل ما يحمله من صراعات وتحالفات وأحلام ومخاوف. فكما تتنافس المنتخبات على رفع الكأس الذهبية، تتنافس الدول أيضاً على النفوذ والصورة والمكانة الدولية، حتى أصبح كأس العالم واحداً من أكبر المسارح السياسية على وجه الأرض. منذ أول بطولة أقيمت في الأوروغواي عام 1930، أدركت الحكومات أن كرة القدم تمتلك قوة تفوق أحياناً قوة الخطابات السياسية. ففي عام 1934 استغل الزعيم الإيطالي بينيتو موسوليني استضافة بلاده لكأس العالم لتقديم صورة عن قوة النظام الفاشي آنذاك، وجعل من فوز المنتخب الإيطالي انتصاراً سياسياً قبل أن يكون رياضياً. وتكرر المشهد عام 1978 في الأرجنتين، حين أقيمت البطولة في ظل الحكم العسكري، بينما كانت البلاد تعيش أزمات سياسية وحقوقية حادة. وبين هتافات الجماهير وأفراح الانتصارات، كانت السياسة حاضرة بقوة خلف الكواليس. وفي عام 1998 حمل المنتخب الفرنسي رسالة سياسية واجتماعية مهمة عندما توج باللقب بفضل تشكيلة متعددة الأعراق والأصول، فأصبح الفريق نموذجاً لفرنسا المتنوعة، وتحول الفوز إلى رمز للاندماج والوحدة الوطنية. أما بطولة 2010 في جنوب إفريقيا فقد كانت أكثر من مجرد حدث رياضي؛ إذ مثلت إعلاناً عن عودة القارة السمراء إلى واجهة الأحداث العالمية بعد عقود من التهميش، وجسدت انتصاراً معنوياً لمسيرة التحرر التي قادها الزعيم الراحل نيلسون مانديلا ضد نظام الفصل العنصري. وفي عام 2022 نجحت قطر في تنظيم أول كأس عالم على أرض عربية، ففرضت نفسها على خريطة الأحداث الدولية الكبرى، وأثبتت أن الرياضة أصبحت أداة من أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لتعزيز حضورها وتأثيرها العالمي. لكن العلاقة بين السياسة وكأس العالم لا تقتصر على الدول المضيفة فحسب، بل تمتد إلى النزاعات الدولية والحروب والأزمات التي تعصف بالعالم. فخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق، كانت المنافسات الرياضية تحمل أبعاداً سياسية لا تقل أهمية عن المنافسات العسكرية والاقتصادية. وكانت كل مباراة بمثابة مواجهة رمزية بين معسكرين يتنافسان على قيادة العالم. واليوم، يبدو المشهد أكثر وضوحاً مع تصاعد التوترات الدولية في مناطق مختلفة من العالم، وخاصة في الشرق الأوسط. فالصراع بين الولايات المتحدة وإيران يقدم نموذجاً حديثاً لكيفية امتزاج الرياضة بالسياسة. فعندما اشتدت المواجهات بين الطرفين، لم تبقِ كرة القدم نفسها بعيدة عن الحدث. فقد ظهر لاعبو المنتخب الإيراني في إحدى المناسبات الرياضية وهم يحملون حقائب مدرسية ويرتدون شارات ورموزاً تذكارية تحمل أرقام ضحايا مدرسة تعرضت للقصف خلال الأحداث الأخيرة، في رسالة إنسانية أرادوا من خلالها لفت أنظار العالم إلى معاناة الأطفال الأبرياء الذين يدفعون ثمن الحروب والصراعات. ولم تكن تلك الحركة مجرد تصرف عاطفي، بل رسالة سياسية وإنسانية تؤكد أن الملاعب أصبحت منبراً للتعبير عن قضايا الشعوب وآلامها. فالرقم الذي حمله اللاعبون لم يكن مجرد رقم، بل رمزاً لأطفال فقدوا حياتهم، بينما تحولت الحقيبة المدرسية إلى صورة تختزل براءة الطفولة التي سحقتها الحروب. وهكذا انتقلت المعركة من ساحات القتال إلى شاشات الملاعب، ومن نشرات الأخبار إلى قمصان اللاعبين. لقد تغير العالم كثيراً، ولم تعد السياسة حبيسة المؤتمرات والقمم الدولية، كما لم تعد كرة القدم مجرد لعبة للتسلية. فالمنتخبات الوطنية أصبحت سفراء لدولها، والبطولات الكبرى تحولت إلى منصات للتأثير السياسي والثقافي والإعلامي. وأصبحت صورة لاعب أو لقطة احتفال أو شعار على قميص قادرة على إثارة نقاش عالمي يفوق أحياناً تأثير تصريحات السياسيين أنفسهم. إن كأس العالم يشبه العالم نفسه؛ فيه تحالفات ومفاجآت وصعود وسقوط وانتصارات وهزائم. وكما أن هدفاً في الدقيقة الأخيرة قد يغير مصير بطولة كاملة، فإن قراراً سياسياً واحداً قد يغير مصير منطقة بأكملها. لهذا لم يعد مستغرباً أن تلتقي السياسة وكرة القدم في ملعب واحد. فكلاهما يسعى إلى التأثير في الجماهير، وكلاهما يبحث عن الفوز، وكلاهما يدرك أن الصورة قد تكون أحياناً أقوى من السلاح، وأن هدفاً واحداً قد يصنع تاريخاً، كما قد يصنعه قرار سياسي واحد. وبينما ينتظر العالم البطل القادم لكأس العالم، تبقى السياسة حاضرة في المدرجات وخلف الكواليس وعلى قمصان اللاعبين، لتؤكد أن أكبر بطولة رياضية على الأرض ليست مجرد منافسة على كأس، بل هي أيضاً منافسة على النفوذ والرمزية وصناعة التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى