مقالات

منتخب مصر فوق الأسماء .. بقلم د. أيمن عبدالغني المصري 

كلما أعلن الجهاز الفني للمنتخب المصري قائمته قبل بطولة كبرى، تتجدد حالة الجدل بين الجماهير ووسائل الإعلام، خاصة إذا غاب عنها لاعب صاحب شعبية كبيرة أو اسم لامع. وقد أثار عدم اختيار مصطفى محمد نقاشًا واسعًا بين المؤيدين والمعارضين، لكن تاريخ كرة القدم العالمية يؤكد أن النجاح لا يُبنى دائمًا على الأسماء الكبيرة، بل على الفريق المتكامل القادر على تنفيذ رؤية المدرب وتحقيق الانسجام داخل الملعب.

فالمدرب يتحمل المسؤولية الكاملة عن النتائج، ولذلك يختار اللاعبين وفق احتياجاته الفنية وليس وفق حجم الضغوط الجماهيرية. وقد شهدت بطولات كبرى قرارات جريئة باستبعاد نجوم معروفين، لكن تلك القرارات ساهمت أحيانًا في صناعة الإنجازات.

ففي كأس العالم 2014، استبعد مدرب ألمانيا يواخيم لوف المهاجم الشهير ماريو جوميز، أحد أبرز هدافي الكرة الألمانية آنذاك، رغم تاريخه الكبير وخبرته الدولية. ورغم الانتقادات، نجح المنتخب الألماني في تقديم بطولة استثنائية انتهت بالتتويج بكأس العالم بعد الفوز على الأرجنتين.

وفي كأس العالم 2018، استبعد المدير الفني للمنتخب الفرنسي ديدييه ديشامب أسماء لامعة مثل كريم بنزيما، وألكسندر لاكازيت، وأنتوني مارسيال، وأدريان رابيو، وكينغسلي كومان من حساباته النهائية، مع أن بعضهم كان من أبرز نجوم أوروبا في ذلك الوقت. ورغم الضجة الإعلامية، توج المنتخب الفرنسي بطلًا للعالم بفضل قوة المجموعة وتوازنها.

كما أن المنتخب الإيطالي الذي أحرز بطولة أوروبا 2020 لم يكن يضم العدد الأكبر من النجوم مقارنة ببعض المنتخبات المنافسة، لكنه امتلك روحًا جماعية عالية وانضباطًا تكتيكيًا كبيرًا، فاستطاع تجاوز منتخبات أكثر شهرة على مستوى الأسماء ليعتلي منصة التتويج.

هذه الأمثلة تؤكد أن كرة القدم الحديثة لم تعد تعتمد على النجم الأوحد، بل على المنظومة الكاملة. فاللاعب الموهوب مهم بلا شك، لكن الفريق المنظم القادر على العمل الجماعي يظل أكثر قدرة على تحقيق البطولات والاستمرار في المنافسة.

أما المنتخب المصري، فهو أكبر من أي لاعب مهما كانت قيمته الفنية أو جماهيريته. فقد مرّ عليه عبر تاريخه الطويل نجوم عظام صنعوا المجد وأسعدوا الجماهير، لكن المنتخب ظل قائمًا قبلهم وبعدهم. فالقميص الذي يحمل اسم مصر يبقى أكبر من كل الأسماء، لأنه يمثل وطنًا بأكمله لا فردًا واحدًا.

ومن حق الجماهير أن تناقش وتنتقد اختيارات المدرب، لكن الانتماء الحقيقي يظهر حين يتحول الاختلاف إلى دعم للمنتخب لا إلى انقسام حوله. فحين تبدأ المباريات، لا يكون السؤال: من استُبعد؟ بل: كيف تنتصر مصر؟

لقد أثبتت التجارب العالمية أن البطولات تُحسم بروح الفريق أكثر مما تُحسم ببريق النجوم. ولذلك فإن الرهان الحقيقي ليس على اسم لاعب بعينه، بل على مجموعة تؤمن بهدف واحد وتقاتل من أجل راية واحدة.

وفي النهاية، يبقى الانتماء للوطن فوق الانتماء للأشخاص، فحب مصر لا ينبغي أن يرتبط بمشاركة لاعب أو غيابه، ولا بقرار مدرب أو اختلاف في وجهات النظر. اللاعبون يرحلون، والمدربون يتغيرون، أما الوطن فيبقى دائمًا هو العنوان الأكبر والقيمة الأسمى. ومن هنا فإن الواجب الوطني والرياضي يقتضي الوقوف خلف المنتخب المصري ومساندته في كل الظروف، لأننا نشجع مصر أولًا وأخيرًا، لا أي اسم مهما بلغت نجوميته.

كل الأمنيات لمنتخب مصر بالتوفيق في مشواره نحو كأس العالم، وأن يقدم صورة مشرّفة تليق بتاريخ الكرة المصرية ومكانة مصر بين الأمم، وأن ينجح لاعبوه وجهازه الفني في إسعاد الجماهير ورفع الراية المصرية عاليًا في المحافل الدولية. فالأحلام الكبيرة لا تتحقق إلا بوحدة الصف والإيمان بالهدف والعمل الجماعي من أجل الوطن.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى