عبدالرحمن الحنوني يكتب: العبودية الرقمية من “التحديات المهينة” إلى فخ القمار الإلكتروني

لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة بريئة للتواصل أو منصة لمشاركة الأفكار العابرة؛ بل تحول في الآونة الأخيرة إلى سوق مفتوحة تُعرض فيها القيم الإنسانية للمزاد العلني، وتُنصب فيها شباك الجريمة المنظمة لاصطياد عقول وأموال جيل بأكمله. نحن لا نتحدث هنا عن مجرد تفاهة عابرة أو ركوب لموجة “التريند” التي تختفي بعد ساعات، بل نواجه ظاهرة تفكك اجتماعي واقتصادي منظمة، تقودها بثوث “التيك توك” وتطبيقات المراهنات الإلكترونية عبر الهواتف التي لا تفارق أيدي الشباب.
إن المتأمل في كواليس البث المباشر على منصة “تيك توك” يدرك حجم الكارثة السلوكية؛ حيث تحولت العلاقات الإنسانية والتفاعل الاجتماعي إلى مجرد أرقام جافة محكومة بلغة “الكبيس والمشاركة والشحن”. وفيما يُعرف بـ “الجولات والتحديات”، لم يعد المعيار هو تقديم موهبة حقيقية أو محتوى نافع، بل أصبح المقياس الحقيقي هو مدى قدرة صانع المحتوى على التخلي عن حيائه لطلب الدعم المالي.
لقد رصدنا مشاهد صادمة لشباب، وأحياناً عائلات بأكملها، يقبلون بأحكام مهينة ومذلة على الهواء مباشرة، مثل سكب الألوان الحارقة أو توجيه الإهانات لأنفسهم، استجابة لرغبة “داعم مجهول”. إنها عملية تسليع صريحة للكرامة الإنسانية تحركها خوارزميات ذكية، حيث تحول كسب العيش من جهد شريف وعلم نافع إلى استجداء رقمي رخيص يرسخ في عقول المراهقين أن القيم يمكن بيعها مقابل بضعة دولارات.
وعلى الموازاة من هذا الانحدار السلوكي في البث المباشر، تبرز الجريمة الأكبر والأخطر التي تطحن جيوب الشباب وعقولهم على حد سواء، وهي تفشي مواقع وتطبيقات المراهنات الإلكترونية. وتحت ستار “توقعات المباريات الكروية” أو “ألعاب الحظ السريعة”، تشن هذه المنصات حملات إعلانية شرسة وممنهجة، مستعينة بوجوه معروفة وصناع محتوى مشاهير لشرعنة وجودها ومنحها طابع التسلية البريئة.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة أو تجميل: هذه المواقع هي شبكات قمار منظمة ومكتملة الأركان، صُممت خوارزمياتها بذكاء نفسي خبيث يعتمد على مبدأ المكافأة المتقطعة لجر الضحية إلى الإدمان. يبدأ الفخ دائماً بتجربة أولى مجانية أو بمبالغ زهيدة تمنح المستخدم شعوراً زائفاً بالربح السهل، وسرعان ما يتحول الأمر إلى إدمان مرضي يدفع الشاب لإنفاق كل ما يملك محاولاً تعويض خسائره المتتالية.
والنتائج التي نراها اليوم في مجتمعاتنا باتت مفجعة؛ بيوت خُرِّبت، وعائلات ضاعت مدخرات عمرها، وشباب في مقتبل العمر انتهى بهم المطاف خلف القضبان بسبب الديون المتراكمة، أو اختاروا إنهاء حياتهم بعد انسداد الأفق أمامهم. إن ما يحدث في بثوث “التيك توك” وما يدور في أروقة تطبيقات المراهنات، يصبان في مجرى واحد خطير، وهو تدمير ثقافة العمل والإنتاج، وتشويه مفهوم السعي والجهد الطبيعي لدى الأجيال الناشئة.
الشركات والمنصات العابرة للقارات تجني مليارات الدولارات من وراء هذه الشاشات الصغيرة، بينما يُترك المجتمع وحيداً ليواجه التبعات الكارثية من انهيار أخلاقي، وجرائم أسرية، وأزمات نفسية حادة. إن هذا النزيف المستمر يفرض على مؤسسات الدولة، والجهات الرقابية، والمنظومة التعليمية، والأسرة أولاً وأخيراً، الوقوف بحزم لإغلاق هذه المنافذ المشبوهة وحظرها قانونياً، توازياً مع إطلاق حملات توعية مكثفة.
والرهان الحقيقي اليوم هو على استرداد الوعي الجماعي؛ فالمال الذي يأتي على حساب الكرامة هو إفلاس إنساني مبكر، والربح الذي يتحقق من قمار إلكتروني هو الخسارة الحتمية للنفس والمستقبل، ولن يستقيم مجتمع يرى في الاستجداء ذكاءً وفي المقامرة تجارة.



