محمد محمود الزعيم يكتب .. ساعتين ضحك و50 سنة وجع : كيف كشفت مدرسة المشاغبين عيوبنا كلنا

مدرسة المشاغبين مش مجرد مسرحية … دي مرآة ساخرة كشفت تناقضات التعليم والمجتمع كله في ساعتين ضحك !
وعادل إمام مش كان بيمثل دور “بهجت الأباصيري”، هو كان بيصنع حالة فنية خالدة: كاريزما، حضور ، وإفيهات عاشت 50 سنة ومازالت بتتقال كأنها اتقالت امبارح .
عمل أيقوني يثبت إن الكوميديا لما تبقى ذكية، بتفضل محفورة في وجدان الناس أكتر من أي دراما .
لما الستارة اترفعت لأول مرة سنة 1973 ، محدش كان متخيل إن مسرحية عن فصل مشاغب هتتحول لمحطة فاصلة في تاريخ المسرح المصري . الفكرة بسيطة على الورق: مدرسة جديدة “عفت” تدخل على فصل به مجموعة طلاب مشاغبين كل واحد فيهم حالة لوحده. لكن اللي حصل على الخشبة كان أكبر بكتير من حكاية مدرسة وطلاب .
التعليم بين التلقين والسخرية
المسرحية مسكّت سكينة وشرّحت بيها منظومة التعليم من جوه . المدرسة اللي المفروض تكون مكان للتربية والعلم ، اتحولت لمصنع أوامر ونواهي . المدرسون نماذج كاريكاتيرية مقصودة : مدرس العربي اللي بيشرح لنفسه ، مدرس الرياضة اللي مش فاهم دوره ، مدرس التاريخ اللي بيخلط بين الحاضرعن والماضي . مفيش حد بيسأل الطالب “أنت ليه زهقان ؟” السؤال الوحيد المسموح “قمت ليه من مكانك ؟”
في المقابل ، طلاب فصل مش أشرار بالفطرة . بهجت الأباصيري ذكي ولمّاح ، مرسي الزناتي جرئ ومش بيخاف ، احمد زكي طيب ومغلوب على أمره . المشكلة إن المسؤل عن المدرسه مش عايز ذكاء ولا جرأة ، هو عايز طالب قاعد ساكت بيردد اللي اتقال . وهنا يطلع التناقض الصارخ : المجتمع بيشتكي من غياب الإبداع ، وهو نفسه بيكسر أي حد بيحاول يفكر بره الصندوق .
العلاقة بين الطلبة والمدرسين في المسرحية كانت صورة مصغرة لعلاقة المواطن بالسلطة . المدرس بيمثل السلطة المطلقة اللي مينفعش تتسأل ، والطالب بيمثل الفرد اللي معندوش غير السخرية عشان يقاوم . كل إفيه كان بيضحّك الجمهور ، لكنه كان كمان بيفرّغ شحنة كبت متراكمة .
دخول عفت المدرسة غيّر المعادلة مش بالعنف ، لكن بالاحترام والإنسانية. هي الوحيدة اللي شافت إن الطلبة دول محتاجين حد يسمعهم قبل ما يحكم عليهم . الرسالة كانت واضحة : أزمة التعليم مش هتتحل بعصاية ، هتتحل لما نرجع نعامل الطالب كبني آدم .
المجتمع اللي بيصنع المشكلة ويستغرب منها
المسرحية ما وقفتش عند باب الفصل . هي طلعت بره للمجتمع كله. الأهل اللي بيتبرأوا من عيالهم لو خرجوا عن المألوف ، الإدارة اللي يهمها شكل المدرسة قدام الناس أكتر من مستوى الطلبة ، النظرة الطبقية اللي بتقسم الطلبة لـ”مؤدب” و”بلطجي” من قبل ما تعرفهم .
النتيجة إننا بنصنع “المشاغب” بأيدينا، وبعدين نستغرب ليه الجيل طالع مش بيحب المدرسة ومش بيحب يسمع . بنزرع الخوف والتلقين ، ونستنى حصاد الإبداع والابتكار . وده بالظبط التناقض اللي المسرحية فضحته من غير خطبة مباشرة ، بس من خلال موقف وضحكة .
ليه عاشت 50 سنة ومامتش ؟
السر إن “مدرسة المشاغبين” مش مسرحية موسمية . هي مسرحية حالة . عادل إمام، سعيد صالح، يونس شلبي ، سهير البابلي، أحمد زكي ، هادي الجيار … كل واحد عمل شخصية ترسخت لأنها صادقة حتى في مبالغتها . الكيمياء بينهم خلت الكوميديا تطلع طبيعية ، والإفيهات تطلع من الموقف نفسه مش محشورة حشر .
والأهم إن التناقضات اللي اتكلمت عنها المسرحية لسه عايشة معانا. لسه عندنا مدرسة بتخاف من السؤال ، ولسه عندنا مجتمع بيخلط بين الأدب والخضوع . عشان كده أي حد بيتكلم عن التعليم النهارده بيلاقي نفسه بيرجع غصب عنه لـ”مرسي الزناتي” و”بهجت الأباصيري”.
مدرسة المشاغبين علمتنا إن الكوميديا الذكية أخطر من ألف مقال سياسي . لأنها بتخليك تضحك ، وبعد ما الضحك يخلص تلاقي نفسك بتسأل : إحنا عايزين مدرسة تطلع مواطن يفكر ، ولا تلميذ بيسمع الكلام وخلاص ؟



