مقالات

عبقرية العمارة الإسلامية في جنوب سيناء.. بقلم سامي جوده

تتميز العمارة الإسلامية في جنوب سيناء بطابع فريد يجمع بين الأبعاد العسكرية، والتعبدية، والتجارية، نظراً للموقع الجغرافي الاستراتيجي لشبه الجزيرة كجسر يربط بين مصر والشام، وممر رئيسي لطرق التجارة والحج المسيحي والإسلامي عبر العصور. وقد تأثرت هذه العمارة بالطبيعة الجبلية القاسية ومواد البناء المحلية (كالجرانيت والحجر الجيري والدبش)، وجاءت لتعكس فترات تاريخية هامة، لا سيما العصرين الأيوبي والمملوكي.

وفيما يلي جولة ترصد أبرز مظاهر وأنواع العمارة الإسلامية في جنوب سيناء:

1. العمارة العسكرية (القلاع والحصون)

كانت جنوب سيناء خط الدفاع الأول لحماية حدود مصر الشرقية وتأمين طرق الحج والتجارة ضد الهجمات، لاسيما إبان الحروب الصليبية:

قلعة صلاح الدين الأيوبي (جزيرة فرعون – طابا): تعد من أهم الآثار الإسلامية في سيناء، حيث أنشأها السلطان صلاح الدين عام 1170 م. وتميزت العمارة هنا باستغلال التضاريس الطبيعية للجزيرة الصخرية. تنقسم القلعة إلى تحصينين (شمالي وجنوبي) بينهما ساحة أوسط، وتضم أسواراً منيعة، وأبراجاً دفاعية، وصهاريج مياه ضخمة محفورة في الصخر، وغرفاً للجنود ومسجداً.

قلعة الجندي (رأس سدر): أنشأها صلاح الدين الأيوبي أيضاً على تل مرتفع (جبل الجندي) لتأمين مسار الحج والتجارة (درب الحاج القديم). بنيت من الحجر الجيري المحلي، وتتميز ببوابتها الضخمة ذات العقد المدبب، وأبراجها نصف الدائرية، والمسجد الذي يحتوي على محراب رائع يحمل كتابات كوفية.

قلعة نويبع (طابية نويبع): تعود إلى العصر العثماني (أواخر القرن الثامن عشر)، وهي عبارة عن سور مربع الشكل يضم أبراجاً للمراقبة ومكاناً لإقامة الحامية العسكرية، وكانت تستخدم لنفس أغراض التأمين وحفظ الأمن في هذه المنطقة الساحلية.

2. العمارة الدينية داخل الحصون والمجمعات

لم تكن العمارة الإسلامية بمعزل عن التداخل الثقافي والديني في المنطقة, ويظهر ذلك جلياً في المجمعات الدينية:

الجامع الفاطمي داخل دير سانت كاترين: يمثل واحداً من أروع أمثلة التسامح المعماري والثقافي؛ حيث بُني هذا المسجد الصغير داخل أسوار دير سانت كاترين الشهير في عهد الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله (عام 500 هـ / 1106 م).

التصميم: مستطيل الشكل، يتميز بالبساطة الشديدة وتوافق مواد بنائه (اللبن والحجر الجيري) مع العمارة المحيطة به.

المئذنة: مئذنة مربعة المسقط متناسقة هندسياً مع أبراج الدير.

المنبر: يضم المسجد منبراً خشبياً فاطمياً نادراً يعد تحفة فنية في حد ذاته، مزيناً بنقوش كتابية بالخط الكوفي وأشكال هندسية محفورة بدقة.

3. عمارة المنشآت المائية والخدمية (طرق الحج)

نظراً لطبيعة سيناء الصحراوية وعبور قوافل الحجاج والتجارة بها، اعتنى المعمار المسلم بالمنشآت المائية والخدمية لضمان استدامة الحياة والرحلات:

الصهاريج والآبار: انتشرت على طول “درب الحاج البري” عبر وسط وجنوب سيناء صهاريج المياه (المصانع) لتخزين مياه الأمطار والسيول، مثل صهاريج قلعة الجندي، والآبار المطورة لخدمة المسافرين.

المحطات والنقاط الأمنية: وهي نقاط صغيرة مبنية من الأحجار المحلية، كانت تُستخدم كاستراحات للحجاج وأماكن لتأمين المؤن والزاد لحمايتهم من تقلبات البيئة والصراعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى