مقالات

بيروت في قلب مصر والمصريين.. بقلم: د. أيمن عبدالغني المصري

منذ أن أبحرت سفن الفينيقيين من شواطئ جبيل وبيروت محملة بخامات خشب الأرز صوب قلاع الفراعنة، لم تكن الأمواج المتكسرة بين لبنان ومصر مجرد ممر للتجارة العابرة، بل كانت شريانًا حضاريًا يتدفق بالثقافة، والفن، والهوية الإنسانية المشتركة. هذا التمازج القديم الذي يمتد إلى فجر التاريخ وضع حجر الأساس لعلاقة فريدة من نوعها، لم تنقطع خيوطها عبر العصور المتعاقبة بل تحولت مع مرور الوقت من تبادل مادي وعسكري إلى تلاحم وجداني وروحي وثيق. وإن “عطر النيل في شوارع بيروت” ليس مجرد تعبير مجازي صيغ للاستهلاك اللفظي، بل هو حقيقة حية تتنفسها أزقة العاصمة اللبنانية، وتسمع صداها العذب في مقاهي القاهرة القديمة، وتتجلى في مواقف الأخوة والجاذبية المتبادلة التي صمدت أمام كل تحولات الزمن والسياسة.

لقد نظر الفراعنة قديمًا إلى جبال لبنان بوصفها أرضًا مقدسة تجود بأخشاب الأرز العظيمة والصلبة، والتي بُنيت منها معابد أوزيريس في أبيدوس وسفن الشمس المقدسة التي رافقت الملوك في رحلاتهم الأبدية. في المقابل، حمل البحارة الفينيقيون معهم الأبجدية الأولى ومصنوعات الزجاج الأرجواني، وعادوا من وادي النيل بنفحات من العمارة والعلوم المصرية القديمة ليغرسوها في تربة المشرق. هذا اللقاء المبكر بين أرز الجبل وطمي النهر لم يكن مجرد صدفة جغرافية، بل كان لقاء إرادات حضارية صاغت ملامح حوض البحر الأبيض المتوسط، وتركت بصمات لا تمحى في وعي الشعبين اللبناني والمصري على السواء، لتستمر هذه التبعية الروحية ممتدة عبر العصور الكلاسيكية والإسلامية بكثير من الود والتعاون المشترك.

وفي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، شهدت العلاقة بين البلدين عصرها الذهبي الأبرز من خلال حركة التنوير والنهضة العربية الحديثة التي قادتها النخب المثقفة. فقد احتضنت قاهرة المعز وإسكندرية الثقافة والحرية كبرى العقول والملكات اللبنانية المهاجرة، التي وجدت في مصر بيئة خصبة للإبداع والعمل بعيدًا عن الاستبداد. حيث ساهم اللبنانيون في مصر بشكل جوهري في تأسيس كبرى الصحف والمجلات الفكرية التي ما زالت قاماتها شامخة حتى يومنا هذا، مثل جريدة الأهرام العريقة ودار الهلال ومجلة المقتطف. ولم يقتصر دورهم على الصحافة المقروءة، بل امتدت أياديهم البيضاء لتصيغ ملامح المسرح العربي والسينما المصرية في مهدها، مما خلق توأمة فكرية لا مثيل لها بين البلدين.

وفي المقابل، كانت بيروت تلعب دور “سويسرا الشرق” ومنبر الحريات ومطبعتها الأنيقة والسباقة، فغدت المتنفس الذي يعيد نشر وتوزيع وفلترة الفكر المصري المتنور والأدب الرفيع إلى بقية أرجاء العالم العربي. وكان المثقفون يرددون دائمًا بحكمة واعتزاز أن الكتاب يُكتب في القاهرة، ويُطبع ويُقرأ بشغف كبير في بيروت، ليشكّل البلدان معًا ثنائية ثقافية متكاملة ومتناغمة أدارت دفة الوعي العربي المعاصر لعدة عقود متتالية. هذا التكامل الفريد جعل من بيروت والقاهرة قطبين مغناطيسيين يتجاذبان باستمرار، حيث يجد الأديب المصري في مقاهي الحمرا ملجأً لحريته وتأمله، ويجد الشاعر اللبناني في صالونات القاهرة الأدبية اعترافًا بعبقريته وامتدادًا جماهيريًا لقصائده.

ولا يمكن لأي مؤرخ أو باحث أن يتناول العلاقات اللبنانية المصرية دون الالتفات إلى لغة الفن والموسيقى والسينما التي دمجت الشعبين في وجدان وروتين يومي واحد ومتطابق. فصوت كوكب الشرق “أم كلثوم” ونغمات موسيقار الأجيال “محمد عبد الوهاب” كانا وما زالا يملآن مقاهي بيروت التراثية من “الروضة” على الكورنيش البحرية إلى أزقة الأشرفية. وبالمثل، فتحت مصر ذراعيها الدافئتين لعمالقة الفن اللبناني، فغنت “صباح” باللهجة المصرية وتصدرت شاشات السينما كأيقونة للبهجة، وأبدع “وديع الصافي” بصوته الجبلي، وشدا “فريد الأطرش” و”أسمهان” بروعتهما، بينما حظيت “فيروز” بمكانة مقدسة في قلوب المصريين الذين رأوا في صوتها نسيمًا صيفيًا يلطف حرارة الصيف القاهري.

هذا التبادل الفني والموسيقي الكثيف جعل المزاج الشعبي العام في كلا البلدين شديد الانسجام والتشابه، لدرجة تبدو فيها الفوارق الجغرافية والحدود السياسية غائبة تمامًا في تفاصيل الحياة اليومية. فالإنسان اللبناني يتقن اللهجة المصرية العفيفة ويفهم نكاتها وسخريتها بفضل تعلقه بالسينما والدراما التي دخلت كل بيت، والمواطن المصري يحمل في قلبه عشقًا خاصًا وجارفًا لـ “ست الدنيا” بيروت وثلج جبالها وطبيعتها الخلابة. إنه تماهٍ وجداني فريد من نوعه، جعل من الصعب أن تجد لبنانيًا لا يحن إلى نيل مصر وشوارعها ومقاهيها، أو مصريًا لا يرى في لبنان قطعة من الجنة وأيقونة للجمال والذوق الرفيع في مجالات الموضة والفن والأدب.

ولم تقف هذه العلاقة التاريخية عند حدود الماضي السحيق أو رفاهية الفن والثقافة، بل تجلت بقوة وعمق في المواقف السياسية والإنسانية الصعبة والمنعطفات التاريخية الحرجة التي مر بها البلدان. فقد كانت مصر على الدوام سندًا حقيقيًا للبنان في أوقاته العصيبة، مادةً يد العون والمساعدات الطبية والغذائية واللوجستية، ومؤكدة في كل المحافل الدولية على دعمها المطلق لاستقرار هذا البلد وتنوعه وصموده في وجه العواصف. وبالمثل، يرى اللبنانيون في مصر الشقيقة الكبرى والصمام الدافئ للأمن القومي العربي، ليبقى “عطر النيل” الذي يفوح في شوارع بيروت عطر الوفاء، والعروبة، والمصير الواحد الذي يجمع بين قلبي القاهرة وبيروت إلى أبد الآبدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى