إحنا مش فاضيين نمرض نفسيًا.. الأزمة الصامتة في بيوتنا .. بقلم د . أية نصار
تخيل أن رجلاً يذهب إلى طبيب القلب، فيُكتشف أن قلبه سليم، لكن الطبيب يهمس له: “ما يقتلك ليس قلبك… ما يقتلك هو همّ الدين الذي تحمله وحيداً، والرجولة التي تمنعك من البكاء”.
وتخيلي أن أماً تنهار في المطبخ، فيُقال لها: “أنتِ بخير، فقط ضغط”. لكن الحقيقة أن “بخير” هذه تُخفي روحاً تنزف منذ سنوات.
لماذا؟
لأننا تعلمنا أن نقول: “إحنا مش فاضيين نمرض نفسياً”.
لدينا هموم أهم: لقمة العيش، دروس الأولاد، قسط العربية، مصاريف المدارس. من منا لديه ترف الوقت ليجلس على أريكة طبيب نفسي ويقول: “أنا تعبان”؟
نحن شعبٌ يحمل جبالاً على كتفيه، ثم يستغرب إن انحنى ظهره. نبتلع آلامنا كل يوم مع الخبز، وفي النهاية نتفاجأ بأننا لم نعد نشعر بطعم الحياة
الجميع يمثلون على المسرح
نحن نعيش في مسرحية صامتة الكل فيها يلعب دوره: الأب “الجامد” الذي لا يشتكي، والأم “المنقذة” التي لا تتعب، والشاب “الواثق” الذي لا يخاف، والفتاة “الراضية” التي لا تحزن.
لكن ماذا لو رُفع الستار قليلاً؟
ستجد رجلاً محروماً من حضن أبويه منذ الصغر، فصار يظن أن القسوة هي الرجولة. وستجد امرأةً تمنح الجميع حناناً، لكن لا أحد يسألها: “وأنتِ، من يضمّك؟”. وستجد عشرينياً يضحك مع أصدقائه، وفي جيبه أدوية يخفيها كجريمة.
المرض النفسي ليس رفاهية الأغنياء
هنا تكمن الأزمة الحقيقية: حين يتحول ألمنا إلى عبء نخجل منه.
صار المرض النفسي في مخيلتنا “رفاهية” لا يملكها إلا من ليس لديه ما يفعله. لكن الحقيقة أن الوجع لا يسأل عن رصيدك في البنك. قد يسكن في فيلا، وقد يسكن في حجرة فوق سطح.
كيف نكسر هذه الدائرة؟
1. توقف عن التمثيل: لا بأس أن تقول: “أنا لست بخير”. ليس هذا ضعفاً، بل شجاعة.
2. استمع دون إطلاق أحكام: كن أذناً لشريك حياتك، لابنك، لابنتك. أحياناً كل ما يحتاجه إنسان هو أن يقول أحدهم: “أنا سامعك. أحكي”.
3. ابحث عن النور: ليس كل “فضفضة” تحتاج طبيباً. أحياناً تكون بداية العلاج في “ركعتين” صادقتين في الليل، أو في حضن دافئ، أو في لحظة هدوء حقيقي بعيداً عن ضوضاء الموبايل.
4. وإن احتجت: اذهب إلى المختص. ليس في ذلك عيب. الطبيب النفسي ليس للذين “جنّوا”، بل للذين آلمهم الواقع فنسوا أنفسهم.
أن تُدرك أنك تعبان، هذه هي بداية الشفاء. أن تعرف أنك تستحق أن تكون بخير، هذا هو السلام الذي تبحث عنه



