رحلة الحرام من العيب إلى الفضيلة . بقلم السيد الطحان

أصبح الحرام عيبا فتحرر المجتمع من موانع الدين .. ثم أطلقوا عليه ( غلط ) فزادت أعماق جذوره غوصا في تحرير الخطايا .. وتحرر أكثر عندما أسموه ( حرية شخصية ) ليصبح من ضروريات الحياة البشرية .. وعندما لم يقف في سبيل رحلته المغلوطة من يصحح المفاهيم ويضع كل لفظ في حجمه الطبيعي بات اسمه ( ثقافة ) فتخطى بذلك كل الحدود وأصبح من منشودات طبقة من علية العلم المجتمعي .. أما أنهم أطلقوا له العنان تماما ليبحر في ذاكرة كل الناس ويسمونه ( ( يمثل نفسه ) فقد أبى الذي حرر الحرام وحلله والذي كان يملك الرد وجابه كل ذلك بالصمت أحيانا وبالإشادة أحيان أخرى إلا أن يحكما له بالانفلات وتدمير المجتمع ليتجرع المواطن الذي لازال متمسكا بدينه وعاداته وتقاليده وأعرافه السوية الملزمة له بالالتزام وسمو الأخلاق وبال هذا الانفلات الذي أصبح للأسف ( حاكما ) .
أما المصيبة الكبرى التي أصابت المجتمع في مقتل هي أن يصبح الحرام ( فضيلة ) وان يصبح جنون الشهرة ( الترند ) دستورا ليبيح دم الأب وإلام والأخ والأخت والصديق وتموت بين الناس كل معاني الإنسانية وتضيع كل معالم العقائد وينتهي بنا المطاف إلى ما نحن عليه الآن من سفه وبطش وانعدام رحمة وعدوانية وسيطرة المصالح الخاصة وقصر النظر إلى مدى لم نعد نرى فيه إلا أنفسنا وان نرى فيه أن كل مشين قائم وكل حرام مثالية وكل ما نهى عنه الدين منطلقا للعبث بكل القيم فأصبحنا نبيت ونصحو على جرائم يشيب لها الولدان مالها من حاكم ولا رابط ولا مانع فقد أبيحت الكبائر وانطلق مرتكبوها يعيثون فسادا فا الأرض بل وأصبحت محل فخر واعتزاز نتيجة جهل مدقع بكل القيم الإنسانية والفضائل الدينية وأصبحت الصغائر من أفعال الضعفاء ولا محل لها من الإعراب مع أجيال ضاعت معالم الحب والنخوة بينهم وسبق وأطلق السيد رئيس الدولة مناشدة كان من شأنها عدم الوصول إلى هذا المستوى المرعب من الانفلات الأخلاقي وهى ( تغيير الخطاب الديني ) ليخاطب المجتمع بأسلوب تعيه جميع المستويات والطبقات ما لبثت دائرة تنفيذ هذه المناشدة إلا أن منعت من هم لا يمثلون الأزهر من الظهور على الفضائيات المرئية فقط لا غير أما المعنى الحقيقي لمناشدة السيد رئيس الدولة فلم يتحقق على الأرض ليصبح رادعا دينيا أخلاقيا لكبائر تفشت بيننا وتكالب لكل صنوف المصائب في معيشتنا .. لذا فعلى الأزهر الشريف والهيئات والمؤسسات المعنية ( بتغيير الخطاب الديني ) أن يقوموا ( بتغليب ) الخطاب الديني وتكثيفه ووضعه في إطار ما يتناسب وثقافة المجتمع المصري وما يناسب درء ما يجرى من أحداث جسام حتى تكون له فاعلية في المجتمع .إننا اليوم أمام ‘ردة أخلاقية’ مكتملة الأركان، يقودها قطيع من الباحثين عن الشهرة الزائفة الذين حولوا منصات التواصل الاجتماعي إلى ‘سوق نخاسة’ للقيم والمبادئ. لم يعد الصمت هنا مجرد سلبية، بل هو تواطؤ صريح في جريمة هدم المجتمع. إن الحل لا يكمن في المواعظ اللطيفة التي تُلقى من وراء المنابر، بل في تفعيل ‘سلطة القانون’ لتجريم المحتوى الذي ينتهك خصوصية الأسرة ويسلع القيم الدينية، وفرض رقابة صارمة على ما يُبث في الفضاء الرقمي، تماماً كما تُراقب السلع الغذائية؛ فسموم الأفكار والخطايا المغلَّفة ببريق ‘الترند’ أشد فتكاً من فساد الأبدان.””ولكي لا نكتفي بالتباكي على الأطلال، يجب على المؤسسات الدينية والتعليمية الانتقال فوراً من ‘مرحلة الدفاع’ إلى ‘الهجوم التنويري’. الحل العملي يبدأ بـ إعادة صياغة المناهج التربوية لتتضمن مادة ‘الأخلاق الرقمية’ والمسؤولية المجتمعية، وإطلاق منصات إعلامية وطنية قادرة على منافسة التفاهة بجودة الإنتاج وقوة المنطق. إن ‘تغيير الخطاب الديني’ يجب أن يتحول من شعار سياسي إلى مشروع ميداني ينزل فيه العلماء إلى المقاهي والنوادي ومراكز التجمع الشبابي، لمخاطبة العقول بلغة العصر، وإعادة الاعتبار لمفهوم ‘العيب’ كمرادف للكرامة الإنسانية، و’الحرام’ كخط أحمر يحمي المجتمع من الانتحار الجماعي تحت أقدام العبث.”



