الشرقية ترد بالأصل لا بالإساءة: بلد الأنبياء والزعماء تأبى الانتقاص من كرامة أهلها.. بقلم: محمد محمود الزعيم

الشرقية ليست مجرد بقعة جغرافية على الخريطة المصرية، ولا هي مجرد رقم عادي في تعداد السكان، بل هي تاريخ مصر النابض الذي يمشي على قدمين، وحين يُذكر اسم الوطن يُذكر معه بالضرورة اسم هذه المحافظة العريقة التي صنعت ملامح الريادة المصرية في الزعامة، والعلم، والدين، والفن، والكرم. فمن قرية “هرية رزنة” بالشرقية، خرج الزعيم أحمد عرابي، ابن الفلاح البسيط الذي هز عرش الخديوية ووقف في وجه الاحتلال ليرسخ قيم الكرامة والحرية بعبارته الخالدة “لقد خلقنا الله أحراراً”، ومن ذات الأرض الطيبة انطلق جراح القلوب العالمي الدكتور مجدي يعقوب، الذي أنقذت يداه آلاف الأرواح ورفعت اسم مصر عاليًا في أعرق المحافل الطبية الدولية، كما أنجبت المحافظة الإمام الدكتور عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر الأسبق، ليكون صوت الوسطية والمنهج الأزهري السمح الذي يخاطب القلوب والعقول بوضوح وبساطة.
ولم تقف ريادة الشرقية عند حدود العلم والسياسة، بل امتدت لتشكل وجدان الفن العربي بأكمله؛ فمن ربوع الإبراهيمية صدح صوت العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، الذي بكى وضحك معه الوطن العربي من الخليج إلى المحيط، ومنها خرج “دنجوان” السينما ورائد أناقتها الفنان رشدي أباظة، و”إمبراطور” التشخيص الفنان أحمد زكي الذي جسد أدوار قادة الأمة وحكى تاريخها بعبقريته الفذة، مما يؤكد أن الشرقية لا تنجب مجرد موظفين بل تنجب عظماء يغيرون مجرى العالم. وهي كذلك الأرض المباركة التي تحتضن عبق الأنبياء والرسل؛ إذ أقام فيها نبي الله يوسف، ومر بساحتها نبي الله موسى، واحتضنت السيدة العذراء مريم وهي تهرب بوليدها نبي الله عيسى عليه السلام، كما وطأتها أقدام الفاتح عمرو بن العاص، ودخلتها السيدة زينب برفقة السيدة فاطمة في العهد الفاطمي، لتظل منارة لحفظة كتاب الله وعلمائه الأجلاء، الذين أناروا الدنيا بتلاوتهم وعلمهم، وفي مقدمتهم العلامة الشيخ عطية صقر، والدكتور أحمد عمر هاشم، والشيخ السيد متولي، والشيخ أحمد عامر، والشيخ عبد الفتاح الطاروطي، والشيخ محمود الشريف، والمبتهل الشيخ علي الزاوي، والشيخ محمد الليثي، وغيرهم من عمالقة التلاوة والتبتيل الذين تخرجوا من كتاتيب ومساجد المحافظة الأكثر تصديرًا لحفظة القرآن الكريم.
إن الشرقية هي يد مصر القوية التي تبني ورئتها الزراعية والصناعية النابضة بالعطاء والعمل، وهي المحافظة التي قدمت الرجال والعتاد لحفر قناة السويس القديمة، واحتضنت منطقة “صان الحجر” الأثرية التي مثلت عاصمة مصر الفرعونية في واحدة من أقدم بقاع الأرض حضارة وثقافة، وهي فوق كل ذلك تجسيد حي لـ”صينية العز” التي لا تفرغ أبدًا، والديوان المفتوح لكل قاصد، والباب الذي لا يُغلق في وجه عابر سبيل، حيث يسبق الكرم مجيء الضيف، ويتجلى في فلاحها المستيقظ مع الفجر، وصانعها الذي يشيد الوطن، وجنديها الباسل الذي يفديه بروحه، لتظل الشرقية عنوانًا للنخوة والرجولة والوجه البشوش في أوقات الشدة.
وأمام كل هذا الإرث العظيم، كان لزامًا الرد على مقطع الفيديو المتداول مؤخرًا لنقيب المهن الموسيقية مصطفى كامل، والذي حمل عبارات مسيئة لا تليق بأبناء هذه المحافظة الشامخة؛ لنذكره بأن الشرقية هي النخوة والكرم والرجولة التي أنجبت من يعمر ويبني ويضحي لأجل تراب هذا الوطن، وبأن منصب النقيب يفرض أن يكون صاحبه لسان حال الفن الذي هو في الأصل رسالة احترام وراقٍ لا تجريح، خاصة وأن نقابة الموسيقيين نفسها تضم العشرات من أبناء الشرقية المبدعين الذين يرفعون رأس مصر عاليًا. إننا هنا لا نسيء لأحد، بل نذكر بالحقائق والتاريخ، وندعو كل من يتحدث عن الشرقية أن يسأل التاريخ أولاً، أو يسأل أي ضيف حط رحاله في بيت شرقاوي، لتظل الشرقية دائمًا شامخة بأهلها، ومصدر فخر لكل مواطن مصري أصيل، وبلد العظماء والأبطال إلى أبد الآبدين.



