من يملك “الجيوب” يحكم “القلوب”: كبسولات ساخرة من كوكب المقلوب! ..بقلم: الحنوني عبدالرحمن
السماء ساطعة، تمنحنا المطر والخير، ولا يمكنها أبدًا أن تُمطر كراهية أو بغضاء؛ فالسماء لا تملك حسابًا على منصات التواصل لتنشر السموم! البشر وحدهم من يتكفلون بهذه المهمة على الأرض. ومهما مرت الأيام، وتوحدت الوجوه خلف فلاتر التجميل والأقنعة الاجتماعية، يظل هناك مرجع واحد لا يكذب، وهو “القلب“؛ رغم أن القلوب في أيامنا هذه أصبحت بحاجة إلى جهاز فحص عملات للتأكد من أصليتها!أهلاً بكم في “زمن الشقلبة”، حيث يسير الكل بالمقلوب، والمشي المعتدل أصبح شبهة! اختلطت الأمور حتى صار الراكب والمركوب في خندق واحد، وضاعت البوصلة لدرجة أنك لا تعرف من يقود من. في هذا السيرك الاجتماعي، سقطت القيم من الحافلة، وبقي الجميع يصفق للمهرج ما دام يملك ثمن التذكرة.دعونا نتحدث بصراحة؛ المعيار الحقيقي للإنسان اليوم ليس عقله ولا أخلاقه، بل ما يحمله في جيوبه. “معيول المهم ما بداخل الجيوب”، عبارة تختصر فلسفة العصر؛ فالمال لم يعد يستر العيوب فقط، بل صار يمنح “الوقار الديلوكس”. يمكنك أن تكون جاهلاً أو فظاً، ولكن بمجرد أن ترن جيوبك بالذهب, يراك الجميع عبقرياً زمانك، وتنبت لك فجأة هالة من الهيبة المصطنعة!أما عن تجار المشاعر، فحدث ولا حرج. لا تصدق هذا الصديق الفيس بوكي أو القريب المنافق الذي يُمطرك صباح مساء بعبارات المحبة، والإخلاص، والوفاء الوردية. الكلمات مجانية، والوعود لا تخضع للضرائب، والجميع مستعد لتمثيل دور “قيس وليلى” أو “الصديق الصدوق” طالما أن المصلحة قائمة والستائر لم تسقط بعد.إذا أردت الحقيقة، فخذها من فم “المرآة القاسية”. صدق ذلك الشخص الذي يملك الجرأة ليفجر في وجهك قنبلة الحقيقة، فيقول لك بلا رتوش: “أنت فاشل، أو عاجز، أو خائن، أو حالك زفت وطين“. نعم، هذا الكلام الجاف كالحطب هو الحقيقة العارية التي هرب منها الجميع وغلّفوها بالدبلوماسية الكاذبة؛ على الأقل هذا الشخص واضح في عدائه أو في إحباطه!وهنا نرى كيف تاهت الحكمة من البشر بينما حفظتها أصغر الكائنات؛ دعونا نتذكر قصة “نملة سيدنا سليمان” التي خلدها القرآن الكريم. تلك الحشرة الضئيلة التي لم تملك جيوباً ولا نفوذاً، ولكنها ملكت قلباً شجاعاً وعقلاً واعياً، فوقفت بكل ثبات لتخاطب نبي الله والملك العظيم الذي سُخر له الجن والإنس، وتحدثت بلغة الفصاحة والمسؤولية لتنقذ قومها من سحق محقق.في هذا الموقف التاريخي، يتجلى بوضوح صدق المثل القائل: “إن كان عدوك نملة فلا تنمَله”؛ فالاستهانة بالصغار أو بالبسطاء هي أولى خطوات الهزيمة. لقد أثبتت تلك النملة بحكمتها وحسن تدبيرها أنها قادرة على حماية مملكة كاملة من جحافل جيش سليمان دون أن تتصنع، بينما في زمننا المقلوب هذا، ليت أشباه الرجال يتعلمون منها كيف تكون القيادة وحماية الأهل، بدلاً من التباكي خلف الشاشات والهروب من المسؤوليات.ومن المستنقعات المادية والنفاق الاجتماعي، تنبت في بعض القلوب “أفكار جهنمية” لا تخطر على بال إبليس نفسه! أفكار قائمة على التسلق، والغدر، وحفر الحفر للآخرين. العجيب أن أصحاب هذه الأفكار يعتقدون أنهم “أذكياء وعصريون”، بينما هم في الواقع يقطعون تذكرة ذهاب بلا عودة إلى جهنم وبئس المصير، حيث لا تنفعهم هناك جيوبهم ولا علاقاتهم “الـ VIP”.ونأتي إلى الظاهرة الأكثر كوميدية وسخرية في مجتمعاتنا؛ تحول الهويات والمفاهيم. لقد تخلت طائفة من أشباه الذكور عن الخشونة، والشهامة، والمسؤولية، وذابت طباعهم في الرقة والاتكالية حتى تحولوا سلوكياً ونفسياً إلى “إناث” يركضون خلف المظاهر والثرثرة، ويبكون عند أول مواجهة حقيقية مع الحياة.وفي المقابل، يبدو أن المروءة والرجولة الحقيقية أصبحت عملة نادرة لدرجة أننا لم نجد أنثى واحدة تحولت إلى “ذكر” بالمعنى القيمي؛ حتى وإن تشابهت الملابس، أو قصات الشعر، أو الملامح الخارجية! فالنساء غالباً ما يحتفظن بأصالتهن وفطرتهن، بينما يهرول الآخرون للتنازل عن هيبتهم في سوق التمييع المعاصر.إنها أزمة وعي مغلف بالجهل، حيث أصبح “البرستيج” أهم من المبادئ، والظهور أهم من الوجود. أصبحنا نعيش في مجتمع يقدس “الغلاف” ويرمي “الكتاب”، ويبحث فيه المرء عن إنسان حقيقي يتحدث بقلبه لا بحسابه البنكي، فلا يجد سوى صدى صوته يسخر منه في وادٍ سحيق.ختاماً، في هذا الكوكب المقلوب، نصيحة ساخرة ولكنها بمليون جنيهاً: احتفظ بقلبك نظيفاً، ولكن احرص على أن تكون جيوبك ممتلئة أيضاً، حتى لا يسيء المجتمع فهم طيبتك ويظنها “عجزاً”! تلمس الصدق في الكلمات الجارحة، وابتعد عن العسل المسموم، وعش حياتك مستقيماً حتى وإن كان العالم كله يسير على رأسه!



