محمد محمود الزعيم يكتب : حضرة الناظر.. الراوي اللي خلي الوجع يضحك والتاريخ يتكلم

عندما تقرأ لحضرة الناظر استاذنا المربي الفاضل ومعلم الاجيال عبد الرحيم عبد العزيز المراكبي ، ابن مركز أولاد صقر ، بتحس إنك قاعد قدام شخصية راجل كبير في ديوان ، بيحكي ومش عايزك تمل . مش مجرد معلم قديم طلع على المعاش ، ده مربّي ، مؤرخ للحياة اليومية ، وطبيب بيعالج وجع الزمن بلسعة ضحك ودمعة حنين .
( المعلم اللي خرّج رجالة قبل ما يخرّج طلاب )
حضرة الناظر مش من نوع المدرسين اللي وقفوا على باب الفصل وخلاص . هو من الجيل اللي كان شايل هم الطالب قبل المنهج . بيحكي عن أيام الزقازيق والامتحانات والنوم في أوضة مهجورة مع البراغيت والصراصير ، مش عشان يشكي ، لكن عشان يوريك إزاي الرجولة بتتسبك في النار .
اللي يسمع حكاياته يفهم ليه الجيل ده اتسمّى “جيل العظماء“. مكنش معاهم فلوس ولا رفاهية، بس كان معاهم صبر ، وأدب ، ورضا ، وأستاذ بيطبطب ويقول “ربنا عالم بالحال”. ده الفرق بين معلم بيعلّم حساب ، ومعلم بيعلّم حياة .
سر حضرة الناظر في الحكي إنه بيعرف يخلط الضحك بالوجع من غير ما يقع في الميلودراما .
يبدأ القصة بهزار : “النحس عمل الواجب مع عبدالرحيم”. تحس إنك هتضحك . وفجأة تلاقي نفسك في بيت مقفول ، وبرد ، وجوع ، ونوم في حصيرة الجامع . وتضحك تاني لما يوصف نفسه وأحمد زكي الفنان رايحين أفراح عشان ياكلوا مع المعازيم .
اللغة عنده بسيطة ، من قلب الشارع المصري ، فيها “يا واد”، “يادي المصيبة”، “آه ياخوفي”. مفيش تكلف ، مفيش فذلكة . علشان كده القارئ الصغير يفهمه، والكبير يرجعله بالزمن . هو بيكتب زي ما بيحكي ، وبيحكي زي ما عاش .
( الحكمة اللي مستخبية في التفاصيل الصغيرة )
كل حكاية لحضرة الناظر فيها لقطة بتقف عندها. كوباية اللمون ، طاسة الطربة ، المنديل المربوط على الراس ، روشتة الدكتور ميخائيل “فرخة بتكتيفة وليفة”. تفاصيل بسيطة زمان ، بقت النهاردة وثيقة تاريخية عن بساطة الحياة وبركتها .
لما يقارن بين “عيان زمان” و”عيان النهاردة”، مش بيهاجم الطب . هو بيوجعك على ضياع البركة ، وضياع الثقة ، وضياع هيبة العلم والشهادة . بيقولك اللي حصل من غير صريخ ، وبسطر واحد يخليك تعيد حساباتك .
( شخصيات الزمن الجميل ) نموذج الكاتب العمومي بتاع زمان
خواطر حضرة الناظر مش بتقف عند الطلبة والمدارس ، هو بيفتح لك صندوق ذكريات البلد كلها . ومن أجمل الحكايات اللي وقف عندها حكاية الكاتب العمومي بتاع زمان .
كان في بلدنا أولاد صقر زمان كاتب عمومي اسمه عبده أفندي الحداد . واخد ناصية شارع الخمارة ، الشارع الرئيسي في البلد ، مقر ليه . قاعد على كرسي خيزران ، وقدامه مكتب زان عليه أوراق وعرضحال ، ومعاه ختم مدون عليه اسمه “كاتب عمومي” بنفس هيبة ختم عضو مجلس النواب دلوقتي .
كان لابس البدلة والكرافتة التمام ، ودايماً مشغول في كتابة البلاغات ، استمارات البطاقات ، شهادات التسنين اللي فيها تاريخ الميلاد “حسب رغبة العميل”، والشهادات الفقرية اللي بتثبت إن صاحبها معدوم الحال عشان ياخد خمس فدادين في الإصلاح الزراعي .
والراجل ده كان ليه كلمة. اللي يخبطه بلاغ مدعوم بالأدلة وشهود الإثبات ، لازم ياخد حكم ، ويقول صاحبه “ياريت اللي جرا ما كان”.
كان قاعد دايماً مع ظابط النقطة ، التجار ، الأعيان ، وكيل البوسطة ، رئيس السنترال . وجيوبه عمرانه بالفكة التمام . والأمهات كانت تدعي لعيالها وتقول :
“يارب يا بني أشوفك كاتب عمومي زي عبده أفندي الحداد”.
الحكاية دي مش مجرد ذكرى ، دي توثيق لحالة اجتماعية كاملة . زمان كانت المهن دي ليها هيبة ، والواحد يتقاس ببدلته وبسمعته وبقعدته مع الكبار .
ونرجع نقول زي ما قال حضرة الناظر :
“نعم. . لكل زمان دولة ورجال ، فسبحان من له العزة والدوام” .
( الأثر اللي سايبه فينا )
حكايات حضرة الناظر مش للتسلية . هي تطعيم ضد النسيان . بتفكرنا إننا كنا غلابة بس راضيين ، تعبانين بس رافعين راسنا. بتعلّم ولادنا إن النجاح مش بيتقاس باللي في جيبك، لكن باللي في قلبك وضميرك .
الناس بتتابع كتاباته عشان بتلاقي نفسها فيها . كل واحد فينا عنده “أوضة الإمتحان” بتاعته ، و”لمبة الجاز” بتاعته ، و”طاسة الطربة” اللي أمّه كانت بتعملهاله . هو بس اللي عرف يقولها بصوت عالي .
حضرة الناظر عبد الرحيم المراكبي مدرسة لوحدها . مدرسة بتعلّمك إن الكلمة الصادقة الموزونة أقوى من ألف خطبة . سلم قلمك يا أستاذنا ، وخليك دايماً بتجلد الواقع برفق ، وتضحّكنا على نفسنا عشان نرجع نبكي على اللي ضاع ونحاول نرجعه .



