الاخبار

تيار الإصلاح الديمقراطي أمام اختبار الانتخابات.. هل يُترجم الحضور الميداني إلى تمثيل برلماني؟

تقرير: نورهان المدهون

برز تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح خلال الحرب على قطاع غزة عبر مبادرات إغاثية وإنسانية استهدفت الأسر المتضررة، ما عزز حضوره في الشارع الفلسطيني.

ومع اقتراب الانتخابات التشريعية، يسعى إلى ترجمة هذا الحضور إلى تمثيل داخل المجلس التشريعي، في وقت تثير فيه التعديلات المقترحة على قانون الانتخابات جدلاً واسعاً بشأن شكل النظام الانتخابي وآليات التمثيل ومستقبل العملية الديمقراطية.

تيار الإصلاح: التعيين لا يغني عن صناديق الاقتراع

يرى المتحدث باسم تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، د.عماد محسن، أن أي تعديلات جوهرية على قانون الانتخابات كان ينبغي أن تصدر عن مجلس تشريعي منتخب، وفق الإجراءات الدستورية، لا من خلال مراسيم بقوانين، معتبراً أن هذا النهج يتجاوز الأصول القانونية التي تنظم العملية التشريعية.

ويؤكد محسن أن التيار يطالب بإجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني في جميع أماكن وجود الشعب الفلسطيني، وفي حال تعذر ذلك بسبب الظروف الاستثنائية، فإن أي آليات بديلة يجب أن تكون محل توافق وطني شامل بين مختلف القوى الفلسطينية.

ويعارض التيار، وفق محسن، منح أي شخصية عضوية تلقائية في المجلس الوطني، بما في ذلك رئيس السلطة، معتبراً أن تمثيل مؤسسات منظمة التحرير يجب أن يستند إلى إرادة الناخبين أو إلى توافق وطني جامع، وليس إلى تعيينات تمنح امتيازات لطرف دون آخر.

ويشدد على أن تيار الإصلاح الديمقراطي يتمسك بحقه في التمثيل داخل المجلس التشريعي والمجلس الوطني والمجلس المركزي واللجنة التنفيذية، إضافة إلى المشاركة في أي حكومة تُشكل بعد الانتخابات، باعتبار ذلك حقاً سياسياً تكفله العملية الديمقراطية.

ويضيف أن قيادة التيار، برئاسة محمد دحلان ونائبه سمير المشهراوي، تتبنى رؤية تقوم على الشراكة السياسية بين مختلف القوى الفلسطينية، وتجري مشاورات مع الفصائل والقوى المجتمعية للوصول إلى صيغة توافقية تفضي إلى إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، بما يضمن تمثيلاً عادلاً لجميع القوى داخل مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية.

د. شاهين: مقترحات التعيين تقوّض أسس الديمقراطية

يرى أستاذ العلوم السياسية د. أيمن شاهين أن أي انتخابات يجب أن تعكس الإرادة الحقيقية للناخبين، معتبراً أن المقترح المتداول بتعيين 68 عضواً من أصل 200 في المجلس التشريعي يتعارض مع أسس العملية الديمقراطية.

ويقول إن تعيين أكثر من ثلث أعضاء المجلس يمنح الرئيس أفضلية سياسية قبل بدء الانتخابات، إذ يكفي أن تحصل القائمة الرسمية لحركة فتح على عدد محدود من المقاعد المنتخبة إلى جانب الأعضاء المعيّنين لضمان الأغلبية البرلمانية وتشكيل الحكومة، ما يبقي موازين القوى على حالها ويحد من فرص إحداث تغيير في النظام السياسي الفلسطيني.

ويصف د.شاهين هذا التوجه بأنه “تفريغ للعملية الديمقراطية من مضمونها”، مؤكداً أن أي برلمان ينبغي أن يكون نتاجاً لإرادة الناخبين لا لقرارات التعيين، متوقعاً رفض مختلف القوى السياسية لهذا المقترح.

وفي معرض توضيحه لبنية النظام السياسي، يبين أن الآلية تقوم على انتخاب مجلس وطني فلسطيني يضم 350 عضواً، منهم 200 من الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، و150 من الشتات، على أن يتولى انتخاب اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئيسها وأعضاء المجلس المركزي، باعتباره المؤسسة الممثلة للشعب الفلسطيني.

وحول موقف تيار الإصلاح الديمقراطي، يؤكد د.شاهين أن رفض تعيين ثلث أعضاء المجلس لا يقتصر على التيار، بل يشمل غالبية القوى والقوائم الفلسطينية المتوقع مشاركتها في الانتخابات، لأنها ترى أن منح الرئيس هذه الصلاحية ينتقص من نزاهة المنافسة ويؤثر في نتائجها.

ويتوقع أن يشارك تيار الإصلاح الديمقراطي في الانتخابات ضمن ائتلاف وطني يضم شخصيات مستقلة وقوى سياسية، وليس بالضرورة من خلال قائمة تحمل اسم التيار، مشيراً إلى أن شكل المشاركة لم يُحسم بعد، إلا أن قرار خوض الانتخابات قائم.

وفيما يتعلق بحركة فتح، يرى د.شاهين أن عقد المؤتمر الثامن دون تحقيق مصالحة داخلية أو توحيد التيارات المختلفة يعكس غياب الإرادة لإنجاز الوحدة التنظيمية، لافتاً إلى أن المؤتمر أثار حالة من الامتعاض داخل الحركة بسبب آلية تشكيله واستبعاد عدد من الكوادر المستحقين للمشاركة.

ويختتم د.شاهين بالتأكيد أن الانتخابات التشريعية يجب أن تعيد التوازن للنظام السياسي الفلسطيني، وأن تفرز مجلساً يعكس الأحجام الحقيقية للقوى السياسية وفق إرادة الناخبين، بما يرسخ تمثيلاً ديمقراطياً حقيقياً بعيداً عن أي ترتيبات مسبقة تؤثر في نتائج الاقتراع.

د. الرقب: التعديلات تعيد المحاصصة إلى مؤسسات النظام السياسي

يرى الكاتب والمحلل السياسي د. أيمن الرقب أن التوصيات الجديدة تمثل محاولة لمعالجة تداعيات التعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات، من خلال إعادة عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 132 عضواً، مقابل استكمال تشكيل المجلس الوطني عبر تعيين 67 عضواً، بهدف معالجة نقص تمثيل الفصائل التي قد لا تتمكن من الفوز بمقاعد عبر الانتخابات.

ويعتبر د.الرقب أن هذا التوجه يعكس عملياً عودة إلى نظام المحاصصة الذي اعتمدته منظمة التحرير الفلسطينية منذ تأسيسها، والقائم على الجمع بين الانتخاب والتعيين لضمان حضور الفصائل داخل مؤسساتها، رغم ما يثيره ذلك، بحسب رأيه، من إشكاليات قانونية.

ويؤكد أن التعديلات لا تتعلق بحركة فتح وحدها، وإنما تمس بنية النظام السياسي الفلسطيني بأكمله، مشيراً إلى أن فرص تيار الإصلاح الديمقراطي، شأنه شأن بقية القوى السياسية، ستظل مرتبطة بحجم التأييد الشعبي الذي يحصده في صناديق الاقتراع، فكلما ارتفع حجم التأييد الشعبي، ارتفعت فرص الحصول على مقاعد في المجلس التشريعي.

ويضيف د. الرقب أن التحدي الأبرز سيظهر بعد انتخاب المجلسين التشريعي والوطني، مع بدء تشكيل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، في ظل استمرار الغموض بشأن آلية اختيار أعضائها وحدود صلاحيات الرئيس في هذه العملية، وهي قضايا يرى أنها لم تُحسم بشكل واضح في التعديلات المطروحة.

د. عبد العاطي: تجديد الشرعية يتطلب إصلاحا سياسيا شاملا

يتقاطع تقييم المحامي والناشط الحقوقي  د. صلاح عبد العاطي، مع الدعوات المطالبة بإصلاح سياسي أشمل، إذ يرى أن الاكتفاء بإجراء انتخابات تشريعية بمعزل عن الانتخابات الرئاسية لا يعالج أزمة الشرعية، بل قد يفضي إلى منح شرعية لمؤسسة واحدة مع بقاء الإشكاليات الدستورية المتعلقة بمؤسسة الرئاسة والعلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير قائمة.

ويؤكد أن الانتخابات المطلوبة ليست مجرد استحقاق لتشكيل مجلس تشريعي، وإنما مدخل لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية وشراكة وطنية.

وفي قراءته للتعديلات الانتخابية، يعتبر د.عبد العاطي أن بعضها يحمل جوانب إيجابية، مثل توسيع المشاركة السياسية وخفض نسبة الحسم وتعزيز تمثيل النساء والشباب، إلا أنه يحذر من أن هذه الإجراءات، في غياب رؤية وطنية جامعة، قد تؤدي إلى مزيد من التشرذم السياسي وإضعاف قدرة المجلس التشريعي على إنتاج أغلبية واضحة وبرامج وطنية جامعة، مؤكداً أن جوهر الأزمة لا يكمن في التعديلات التقنية، وإنما في غياب الإطار السياسي والإصلاحات الدستورية التي تضمن انتخابات قادرة على تجديد الشرعية وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية.

ICSPR: الانتخابات وحدها لا تنهي أزمة الشرعية

في السياق ذاته، ينتقد المركز الدولي لدعم الحقوق الفلسطينية (ICSPR) استمرار إدارة الشأن الفلسطيني عبر قرارات أحادية، معتبراً أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على غياب الانتخابات، بل تمتد إلى تآكل الشرعية الدستورية، وتراجع دور المؤسسات المنتخبة، واستمرار تعطيل الحياة الديمقراطية.

ويرى المركز أن أي عملية انتخابية لن تحقق أهدافها إذا اقتصرت على إجراء الاقتراع دون معالجة الاختلالات البنيوية التي أصابت النظام السياسي، مؤكداً أن تجديد الشرعية يجب أن يكون جزءاً من مشروع إصلاح وطني شامل يقوم على الشراكة السياسية، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، واحترام الإرادة الشعبية.

ويشدد المركز على أن الانتخابات ينبغي أن تكون مدخلاً لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، لا وسيلة لإعادة إنتاج الواقع السياسي القائم أو تكريس هيمنة طرف واحد على مؤسسات الحكم.

كما يدعو إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، ووضع جدول زمني واضح لاستكمال انتخابات المجلس الوطني، بما يضمن إعادة بناء مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير على أسس ديمقراطية وتمثيلية تعكس الإرادة الحقيقية للشعب الفلسطيني.

ويرى مراقبون أن قدرة تيار الإصلاح الديمقراطي على تحويل حضوره الميداني، الذي برز خلال الحرب عبر المبادرات الإغاثية والإنسانية، إلى تمثيل برلماني ستظل رهناً بعدة عوامل، في مقدمتها الصيغة النهائية لقانون الانتخابات، وشكل التحالفات التي سيخوض بها الاستحقاق، إلى جانب حجم التأييد الشعبي الذي سيحصل عليه في صناديق الاقتراع.

ويشيرون إلى أن النشاط المجتمعي قد يعزز الحضور السياسي، لكنه لا يشكل بمفرده ضمانة لتحقيق نتائج انتخابية، إذ تبقى الكلمة الفصل لإرادة الناخبين وطبيعة المنافسة بين القوائم.

وفي انتظار إقرار الصيغة النهائية للتعديلات، تبقى الانتخابات المرتقبة محطة مفصلية لإعادة رسم موازين القوى الفلسطينية واختبار قدرة النظام السياسي على استعادة مساره الديمقراطي.

وبين الجدل الدائر حول قانون الانتخابات وآليات التمثيل، ستحدد نتائج الاقتراع، إلى جانب مستوى التوافق الوطني، ملامح المرحلة المقبلة وشكل التوازنات داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير.

فإما أن يُترجم الحضور الميداني لتيار الإصلاح إلى تمثيل برلماني، وإما أن تبقى أبواب المؤسسات مغلقة أمام من قدموا في الميدان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى