الصحافة تقول

توفيق عكاشة يفتح النار وينتقد نقل مهرجان الخيول للعاشر ويطالب بعودته إلى موطنه الأصلي ببلبيس .. أين ذهبت أرض الفروسية التاريخية ببلبيس؟

مهرجان الخيول في العاشر: فرحة منقوصة وأسئلة معلقة على أرض الجيران
المحافظة تتصرف في أملاك الدولة بطريقة مريبة وتضع الأجهزة الرقابية أمام مسؤوليتها التاريخية

“الجوز الخيل مفيش عربية”.. عبارة تختزل في طياتها حجم المفارقة والأسى على ضياع هوية حدث عريق.

كتب: الحنوني عبدالرحمن 

فقد شهد نادي الصفوة بمدينة العاشر من رمضان انطلاق مهرجان الخيول العربية بالشرقية، وهو حدث يبعث على الفرح من حيث الشكل العام وعدم تحميل المحافظة أية أعباء مالية. لكنه في جوهره يفتح الباب واسعاً أمام أسئلة مؤلمة حول نقل الفعالية برمتها بعيداً عن موطنها الأصلي والتاريخي.

​وقد شرف الحفل حضور رفيع المستوى تقدمه المهندس حازم الأشموني محافظ الشرقية، واللواء نبيل حسب الله محافظ الإسماعيلية، والدكتور حسام عبد الفتاح محافظ القليوبية، والمهندس عادل النجار محافظ الجيزة السابق، والمهندس بلال حبش نائب محافظ بني سويف، إلى جانب حضور الإعلامي الكبير توفيق عكاشة ووفود تمثل خمس دول عربية شقيقة، فضلاً عن لفيف بارز من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ.​

إن إقامة مهرجان بحجم مهرجان الخيول العربية خارج حدود المحافظة الأم أو في غير موطنه التاريخي المخصص له يثير علامات استفهام كبرى حول التخطيط السياحي والثقافي. فبدلاً من أن يكون المهرجان نافذة تروج لبلبيس وتاريخها، تحول إلى احتفالية متنقلة تفقد جزءاً من روحها وهويتها المرتبطة بأرض الأجداد.
​صرخة توفيق عكاشة دفاعاً عن أرض التاريخ

​وفي مداخلة ساخنة وحضور مميز بالمهرجان، عبر الإعلامي الكبير توفيق عكاشة عن دهشته واستيائه البالغ من نقل الفعالية، مطالبًا محافظ الشرقية بضرورة تصحيح المسار وسرعة إعادة المهرجان إلى بلبيس، موطنه الأصلي وأرض التاريخ العريقة.

وقال عكاشة في رسالته الحادة: “حرام أن يُنتزع هذا المهرجان التاريخي من بيئته الحاضنة وموطنه الأصلي في بلبيس ليُقام في مكان آخر بعيد عن عبق التاريخ وعشاق الخيول الحقيقيين”.
​

ولم يخفِ عكاشة صدمته ومفاجأته الكبرى خلال حديثه الجانبي، مؤكداً أنه “ينسحب من لسانه” بعدما فوجئ ولم يكن يعلم شيئاً بأن أرض نادي الفروسية التاريخية قد تم بيعها والتصرف فيها من قبل المحافظة، ليتأكد للجميع أن المحافظة باعت التاريخ والأصول بقرارات إدارية غامضة، متسائلاً بمرارة: “كيف تُباع أرض الفروسية دون وعي بأهميتها التراثية؟ وكيف يكون المحافظ آخر من يعلم أو يتخذ مثل هذه القرارات دون اعتبار للقيمة التاريخية؟”

​أين ذهبت أرض الفروسية التاريخية ببلبيس؟

​وبدون مقدمات قد تفسد بهجة اللقاء، يجب أن نتذكر أن المحافظة سبق وأن ألغت احتفالات العيد القومي للشرقية، ومرت تلك الخطوة وسط حالة من الشجن العام. والآن يتكرر المشهد للمرة الثانية بنقل مهرجان الخيول من أرض الفروسية العريقة ببلبيس إلى نادي الصفوة بالعاشر من رمضان، وكأن التاريخ والأصالة يُطويان بقرار إداري.

​السبب الحقيقي وراء هذا النقل القسري يعود إلى التصرف في مساحة عشرين فداناً من أرض الفروسية بالبيع بسعر بخس وبدون أي رؤية استراتيجية واضحة. وكأن المحافظة تتعامل في أراضٍ مخصصة بالأمر المباشر وبدون استصدار قرار رسمي من رئيس مجلس الوزراء، في تحدٍ صارخ للأعراف الإدارية والمؤسسية.

​إن التفريط في الأراضي المخصصة للأنشطة التراثية والرياضية مثل أرض الفروسية ببلبيس يعد ضربة موجعة للشباب وللمهتمين بتربية الخيول العربية الأصيلة التي تشتهر بها المحافظة. فهذه الأراضي لم تكن مجرد مساحات فضاء، بل كانت متنفساً حيوياً ورمزا تاريخيا يجب الحفاظ عليه وصونه للأجيال القادمة.
​منطق البيع المثير للريبة وصمت الأجهزة الرقابية

​وعندما يُسأل أحد المسؤولين الكبار بالمحافظة عن تفاصيل هذه الصفقات، يأتي الرد مستفزاً وصادماً: “الأرض أرضنا، إحنا نبيع أو ما نبيعش، إنت مالك، هو إنت ليك حاجة عندنا؟”. هذا المنطق الأعوج يدفع كل مواطن غيور للقول على مقدرات المحافظة السلام، ويجعلنا نتساءل عن مصير الأصول العامة وأموال الدولة.
​يتشابه المشهد هنا مع المشهد الدرامي الشهير للفنان خالد زكي حين جسد دور رئيس الجمهورية نزل إلى الشارع فلم يجد الشعب فتساءل: “أنت وديت الشعب فين؟”.

وهنا نتوجه بالسؤال ذاته إلى المحافظ: “أنت وديت أرض الفروسية ببلبيس فين يا حازم؟ ومن الذي اشترى ومن الذي باع ومن الذي التزم صمتاً مريباً؟”.

​إن غياب الشفافية في إدارة الأصول العامة يفتح الباب على مصراعيه أمام الشائعات والتكهنات حول مدى سلامة الإجراءات المتخذة. وحين تتحول مؤسسات الدولة إلى جزر منعزلة ترفض المساءلة أو الإفصاح عن المعلومات، فإن ذلك ينذر بخطر حقيقي على المصلحة العامة ويهدد ثقة المواطنين في أجهزتهم التنفيذية.

​تضارب أرقام الأراضي والمهزلة العقارية بالشرقية

​تكشف لغة الأرقام عن تخبط غريب في سياسات البيع والتسعير داخل المحافظة؛ حيث تُباع أراضي المنطقة الصناعية بأسعار زهيدة لا تتجاوز 900 جنيه بالمرافق، بينما تُباع أرض الفروسية المتميزة بنحو 400 جنيه فقط. وفي المقابل، نجد رفضاً لبيع أرض البركة بقصاصين الشرق مقابل 230 مليون جنيه، لتتوالى التناقضات بمطالبة

أرقام فلكية تصل إلى مليار و200 مليون في مواقع أخرى.

​من يحاسب محافظ الشرقية على هذا الأداء الذي أثار علامات استفهام عديدة حول معايير اتخاذ القرار؟ فالرجل يمنع تارة ويوافق تارة أخرى بالمزاج والأهواء الشخصية، متجاوزاً الأطر القانونية المنظمة للتصرف في أملاك الدولة، وهو ما يضع الأجهزة الرقابية أمام مسؤوليتها التاريخية لكشف ملابسات هذه المهزلة.

​إن هذا التفاوت الكبير في تقدير ثمن الأراضي يعكس عشوائية شديدة في إدارة الملف الاقتصادي والاستثماري بالمحافظة، ويستوجب تدخلاً عاجلاً من الجهات الرقابية العليا لمراجعة كافة العقود والاتفاقيات التي تم إبرامها مؤخراً، لضمان عدم إهدار المال العام وحماية حقوق الدولة والمواطنين.

​صرخة نواب الشرقية وضرورة المواجهة القانونية

​تأتي هذه السطور بمثابة صرخة مكتومة نيابة عن نواب محافظة الشرقية الذين يجدون أنفسهم أمام واقع مرير يرفضون معه الدخول في معارك عبثية مع محافظ وجهاز تنفيذي يعمل في كثير من الأحيان بالمخالفة للقانون والأخلاق التنفيذية. إن حماية مقدرات المحافظة واستعادة أراضيها المنهوبة ليس رفاهية، بل هو واجب وطني لا يجوز السكوت عنه.

​فإلى متى ستظل أرض الشرقية مباحة لقرارات فردية تفتقر للشفافية والعدالة؟ وإلى متى يتواصل هذا الصمت المريب من الجهات المعنية بينما تُهدر الأصول التاريخية الاقتصادية للمحافظة العريقة تحت مرأى ومسمع الجميع؟ إن البرلمان بمواده الرقابية مطالب اليوم وأكثر من أي وقت مضى بتفعيل أدواته الدستورية.

​ختاماً، إن أهالي الشرقية الشرفاء ونوابهم الأحرار لن يفرطوا في تاريخ محافظتهم ولن يسمحوا بأن تحول السياسات الإدارية الخاطئة مقدرات المحافظة إلى غنيمة تُهدر بلا رقيب أو حسيب. ويبقى الأمل مرفوعاً في أن تتحرك الدولة بحسم لتصحيح المسار وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح قبل فوات الأوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى