مقالات

التعليم المصري… بوابة الجمهورية الجديدة .. بقلم: د. أيمن عبدالغني

لم يعد التعليم في عالم اليوم مجرد وسيلة للحصول على شهادة، بل أصبح الاستثمار الحقيقي الذي تقاس به قوة الدول وقدرتها على المنافسة وصناعة المستقبل. وإذا كانت مصر تخطو بثبات نحو بناء الجمهورية الجديدة، فإن نجاح هذا المشروع الوطني يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرتها على بناء منظومة تعليمية حديثة تخرج أجيالًا تمتلك المعرفة والمهارة وروح الابتكار. ورغم ما شهدته السنوات الأخيرة من تطوير للمناهج، والتوسع في إنشاء الجامعات، وإدخال التكنولوجيا إلى العملية التعليمية، فإن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في تغيير فلسفة التعليم ذاتها. فما زال الحفظ والاسترجاع يسيطران على جزء كبير من أساليب التعلم، بينما يحتاج العصر إلى طالب يفكر ويحلل ويبتكر ويجيد التعامل مع المعرفة، لا مجرد حفظها. وتبقى الثانوية العامة أبرز التحديات التي تواجه الأسرة المصرية، بعدما تحولت إلى اختبار مصيري يحدد مستقبل الطالب في ساعات معدودة، الأمر الذي أسهم في انتشار الدروس الخصوصية، وزاد الضغوط النفسية، وجعل مجموع الدرجات هو المعيار شبه الوحيد لرسم مستقبل الشباب. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة نظام القبول الجامعي، بحيث يعتمد على تقييم تراكمي لأداء الطالب طوال المرحلة الثانوية، إلى جانب امتحان قومي موحد يقيس التفكير والقدرات، مع اختبارات تخصصية للكليات التي تتطلب استعدادات ومهارات خاصة، بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة ويمنح كل طالب فرصة حقيقية لإبراز إمكاناته. كما أن تطوير الجامعات لا يقاس بعدد المباني أو الكليات الجديدة، وإنما بقدرتها على إعداد خريجين يلبون احتياجات سوق العمل، وإنتاج بحوث علمية تسهم في التنمية، واحتضان الابتكار وريادة الأعمال. ولم تعد تخصصات المستقبل خيارًا، بل أصبحت ضرورة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الحيوية، والاقتصاد الرقمي. وفي الوقت نفسه، لا بد من إعادة الاعتبار للتعليم الفني والتطبيقي، وربطه مباشرة بالصناعة والإنتاج، فالتجارب العالمية أثبتت أن النهضة الصناعية لا تتحقق إلا بوجود كوادر فنية مدربة تمتلك المهارة والخبرة العملية. وتؤكد النماذج الناجحة في فنلندا وألمانيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية أن جودة التعليم لا تقاس بعدد الامتحانات، بل بقدرته على بناء الشخصية، وتنمية التفكير، وربط الدراسة بالحياة وسوق العمل. كما نجحت دول عربية في تطوير جامعاتها واستقطاب المؤسسات الأكاديمية العالمية، بما جعل التعليم جزءًا رئيسيًا من خططها التنموية. إن مصر تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لاستعادة ريادتها التعليمية، فهي تملك تاريخًا علميًا عريقًا، وجامعات ذات مكانة راسخة، وثروة بشرية هائلة تمثل أعظم مواردها. وما تحتاجه اليوم هو مواصلة الانتقال من ثقافة الحفظ إلى ثقافة الإبداع، ومن الاهتمام بالدرجات إلى الاهتمام ببناء الإنسان. إن الجمهورية الجديدة لن تُبنى بالمشروعات العملاقة وحدها، بل بعقول قادرة على الابتكار والإنتاج والمنافسة عالميًا. فالتعليم ليس ملفًا خدميًا فحسب، بل قضية أمن قومي، والاستثمار فيه هو الضمانة الحقيقية لمستقبل مصر، لأن الأمم لا يصنعها ما تملكه من موارد، بل ما تملكه من عقول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى