الكرة اليوممقالات

الفساد الكروي في مصر: عندما تصبح الصافرة متهمة . بقلم د . أحمد سليم

في ليالٍ كثيرة، يجلس ملايين المصريين أمام الشاشات، لا لمشاهدة كرة القدم فقط، بل لمتابعة معركة جديدة حول شرعية اللعبة. لم يعد الجدل يدور حول من لعب بشكل أفضل، بل حول من اتخذ القرار لصالح من. تحولت صافرة الحكم من أداة لضبط المباراة إلى محور للنقاش الإعلامي، تشعل مواقع التواصل الاجتماعي، وتفتح باب البيانات الرسمية، وتهدد أحيانًا بانسحابات من المسابقة.

ويبقى السؤال الذي يتكرر كل موسم:

هل نحن أمام أخطاء بشرية طبيعية، أم أن منظومة التحكيم في مصر تعاني من خلل بنيوي يسمح بتسلل الشبهات والمصالح؟

تاريخ طويل من الشكوك

منذ التسعينيات، لم تخلُ الكرة المصرية من أزمات تحكيمية مثيرة للجدل؛ من حالات طرد مشكوك فيها، إلى ركلات جزاء قاتلة، وأهداف ألغيت بداعي تسلل غير واضح. ومع ظهور الفضائيات الرياضية مطلع الألفية، أصبحت كل لقطة تُعاد عشرات المرات وتُحلل من زوايا مختلفة، حتى صار الحكم يُحاكم داخل الاستوديوهات قبل مغادرته أرض الملعب.

كما أن غياب الشفافية بشأن آلية اختيار الحكام للمباريات الكبرى، وعدم إعلان تقييماتهم الفنية، فتح المجال أمام التكهنات، ورسخ لدى الجماهير فكرة وجود “حكام محسوبين” على أندية بعينها.

أعطال واضحة داخل المنظومة

تكشف المتابعة الميدانية، إلى جانب أحاديث إداريين سابقين وحكام معتزلين، عن عدد من الأزمات الجوهرية داخل منظومة التحكيم المصري، أبرزها:

غياب الاحتراف الحقيقي:

رغم وجود حكام دوليين، فإن أغلبهم لا يعمل بدوام كامل، بل يمارس وظائف أخرى ويتدرب بشكل متقطع، على عكس حكام الدوريات الأوروبية الكبرى الذين يحصلون على رواتب ثابتة ويخضعون لاختبارات لياقة وتأهيل نفسي مستمرة.

تضارب المصالح:

لجنة الحكام تُعين من قبل مجلس إدارة اتحاد الكرة، وهو المجلس ذاته الذي ترتبط بعض أعضائه بأندية منافسة، ما يخلق حالة من الشك الدائم حول التعيينات والمجاملات.

ضعف المحاسبة:

نادرًا ما تُعلن العقوبات الخاصة بالأخطاء التحكيمية الجسيمة بشكل واضح. وفي كثير من الأحيان يختفي الحكم لفترة قصيرة ثم يعود دون تفسير رسمي أو تقرير فني يوضح أسباب القرار.

أزمة تقنية الفار:

جاءت تقنية الفيديو لتقليل الأخطاء، لكنها تحولت بدورها إلى مصدر جديد للجدل، لأن القرار النهائي يظل خاضعًا لتقدير الحكم، مما يجعل تجاهل مراجعة بعض اللقطات أكثر إثارة للشكوك من الخطأ نفسه.

التأثير الاقتصادي والجماهيري

حين يفقد المشجع ثقته في نزاهة المباراة، يفقد جزءًا من شغفه باللعبة. وينعكس ذلك بشكل مباشر على الحضور الجماهيري، ونسب المشاهدة، وحتى قيمة حقوق البث والرعاية.

فكرة القدم اليوم ليست مجرد رياضة، بل صناعة ترفيهية واقتصادية ضخمة، وأي منتج تحيط به شبهات الفساد يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته السوقية، مهما كان تاريخه أو جماهيريته.

أصوات من داخل المنظومة

يقول حكم دولي سابق ـ فضل عدم ذكر اسمه:

“الضغط على الحكم يبدأ قبل المباراة بثلاثة أيام. اتصالات ورسائل ولقاءات ودية. من يصمد أخلاقيًا يُحارب إداريًا، ومن لا يصمد يدخل دائرة الرضا.”

كما يعلق مدرب سابق بالدوري الممتاز:

“لسنا نطلب حكمًا معصومًا من الخطأ، بل نطلب حكمًا تُشرح قراراته ويُحاسب إذا أخطأ عمدًا. الصمت الإداري هو ما يقتل الثقة.”

تجارب تستحق الدراسة

هناك نماذج دولية استطاعت الحد من الجدل التحكيمي عبر الشفافية والاحتراف، منها:

إنجلترا: حكام محترفون برواتب ثابتة وتقييمات أسبوعية واضحة.

ألمانيا: خروج مسؤول تحكيمي بعد المباريات الكبرى لشرح القرارات المثيرة للجدل.

قطر: وجود مركز تحكيم مستقل إداريًا وماليًا، مع نشر تسجيلات الفار بعد المباريات.

هذه التجارب لا تمنع الأخطاء بشكل كامل، لكنها تقلل مساحة الشك وتزيد ثقة الجماهير.

كيف يمكن الإصلاح؟

الإصلاح لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى قرار إداري واضح، يقوم على عدة خطوات أساسية:

استقلال لجنة الحكام إداريًا وماليًا بعيدًا عن نفوذ الأندية.

تطبيق الاحتراف الكامل للحكام الدوليين.

نشر معايير اختيار الحكام والتقييمات الفنية بشفافية.

بث تسجيلات تقنية الفار بعد المباريات المثيرة للجدل.

إنشاء أكاديمية مركزية لإعداد الحكام وتأهيلهم مبكرًا.

توفير حماية قانونية للحكام مع ضمان حق النقد الفني الموضوعي.

الخاتمة

الفساد الكروي لا يبدأ من الحكم وحده، ولا ينتهي عنده، بل هو انعكاس لمشكلة أعمق تتعلق بضعف الحوكمة وغياب الشفافية وتداخل المصالح.

وإذا أرادت الكرة المصرية استعادة ثقة جماهيرها ومكانتها عربيًا وأفريقيًا، فعليها أن تبدأ من أساس العدالة داخل اللعبة: من الصافرة.

فالصافرة النزيهة لا تضمن فوز فريق بعينه، لكنها تضمن أن الفوز تحقق داخل الملعب، لا خلف الكواليس. وحينها فقط، سيعود الجمهور للاستمتاع بكرة القدم، لا للصراخ على الحكم.

بقلم: د. أحمد سليم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى